رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٥٩ - فصل
و هم لا يلتفتون إليهم و لا يرحمونهم، و لا يفكرون فيهم. فأي مروءة لهم، و أي فتوّة فيهم، و كيف تهنيهم لذاتهم؟ ألا إنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا.
و أما الذين ذكرتهم من الكتّاب و العمال و أصحاب الدواوين، و افتخرت بهم، فهكذا يليق بكم الافتخار بالأشرار الذين يهتدون إلى أسباب الشرور ما لا يهتدي غيرهم، و يصلون إلى ما لا يصل إليه سواهم، لدقة أفهامهم، و جودة تمييزهم، و لطف مكايدهم، و طول ألسنتهم، و نفاذ خطابهم في كتبهم. يكتب أحدهم إلى أخيه و صديقه زخرفا من القول، غرورا بألفاظ مسجّعة، و كلام حلو، و خطاب فصيح يغريه، و هو من ورائه في قطع دابره، و الحيلة في إزالة نعمته، و الوصول إلى أسباب نكايته، و تدوين الأعمال في مصادراته، و تأويلات الأخذ لماله.
و أما قرّاؤكم و عبّادكم الذين تظنون أنهم أخياركم، و ترجون استجابة دعائهم و شفاعتهم لكم عند ربهم، فهم الذين غرّوكم بإظهارهم الورع و الخشوع و التقشف و النّسك من حذف الأسبلة[١]، و تقصير الأكمام، و تشمير الإزار و السراويل، و لبس الخشن من الصوف و الشعر و المرقّعات، و طول الصمت، و كثرة التنسك، و ترك التفقه في الدين و تعلّم أحكام الشرائع و سنن الدين، و ترك تهذيب النفس و إصلاح الخلق؛ و اشتغلوا بكثرة السجود و الركوع بلا علم، حتى ظهر أثر السجود على جباههم، و الثفنات[٢] على ركبهم، و تركوا الأكل و الشرب، حتى جفت أدمغتهم، و نحلت شفاههم، و انحلت أبدانهم، و تغيرت ألوانهم، و انحنت ظهورهم، و قلوبهم مملوءة بغضا و حقدا و جفاء لمن ليس مثلهم، و نفوسهم مملوءة وساوس و خصومة مع ربهم بضمائرهم،
[١] -حذف الأسبلة: أي احفاء الشوارب.
[٢] -الثفنات: جمع الثفنة، و هي من البعير ما لاصق الأرض إذا استناخ، و من الإنسان الركبة، و المراد هنا بالثفنات الركب الغليظة الخشنة من كثرة السجود كأنها ثفنات البعير.