رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٥٠ - فصل
بالغيب، و يرجف به من غير معرفة صحيحة، و دلائل عقلية واضحة، و براهين مثبتة، فيقول: بعد كذا و كذا شهرا، و كذا و كذا سنة، في بلد كذا و كذا، يكون كيت و كيت، و هو جاهل لا يدري أيّ شيء يكون في بلده و قومه و جيرانه، و أي شيء يكون و يحدث عليه في نفسه، أو في ماله، أو في أولاده، أو غلمانه، أو من يهمّه أمرهم، و إنما يرجم بالغيب في مكان بعيد، أو في زمان طويل، لئلا يقع عليه الاعتبار، و يتبين صدقه و كذبه و تمويهه و مخرقته.
ثم اعلم، أيها الإنسي، أنه لا يغتر بقول المنجّم إلا الطّغاة و البغاة من الملوك و الجبابرة منكم، و الفراعنة و النماردة و المغرورون بعاجل شهواتها، المنكرون أمر الآخر و دار المعاد، الجاهلون بالعلم السابق و القدر المحتوم، مثل نمرود الجبّار، و فرعون ذي الأوتاد، و ثمود و عاد الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد من قتل الأطفال. يقول المنجمون الذين لا يعرفون خالق النجوم و مدبّرها، بل يظنون و يتوهمون أن أمور الدنيا تدبّرها الكواكب السبعة و البروج الاثنا عشر، و لا يعرفون المدبّر الذي فوق الكل الذي هو رب الأرباب، و مسبّب الأسباب، و مالك يوم الدين، و قد أراهم اللّه قدرته مرة بعد أخرى، و نفاذ أوامره و مشيئته في دفعات. و ذلك أن نمرود الجبار أخبره المنجمون بمولود في مملكته في سنة من السنين بدلائل القرانات، و أنه يتربّى و يكون له شأن عظيم و يخالف دين عبدة الأصنام. فقال لهم: في أي بيت يكون، و في أي موضع يتربّى، و في أي يوم يولد؟
فلم يدروا، و لكن أشار وزراؤه و جلساؤه بأن يقتل كل مولود يولد في تلك السنة ليكون هو في جملة من قد قتل، و ظنوا أن ذلك يمكن، و ذلك لجهلهم بالعلم السابق و القضاء المحتمّ و المقدور الواقع الذي لا بد أن يكون.
ففعل ما أشاروا به عليه فيما وقع. و خلّص اللّه تعالى إبراهيم خليله من كيدهم، و نجاه من حيلتهم و ما دبروا من مكرهم.