رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٣٤ - فصل
و حمل المخاطرة على أنفسها في الطلب، و الانتهاك، و المحاربة، و التعرض لأسباب المنايا، و ذلك أن الأسود و النمور و الفهود و الذئاب و غيرها من أصناف السباع الآكلة اللحوم لا تتعرض للفيلة و الجواميس و الخنازير، ما دامت تجد من جيفها ما يقوتها و يكفيها إلّا عند الاضطرار و شدة الحاجة، لأن لها أيضا إشفاقا على أنفسها كما يكون لغيرها من سائر الحيوانات. فلما جئتم أنتم، يا معشر الإنس، و انتزعتم منها قطعان الغنم و البقر و الجمال و الخيل و البغال و الحمير، و أحرزتموها، و لم تتركوا في البراري و القفار و الآجام واحدا منها، عدمت السباع جيفها، فاضطرّت إلى صيد الأحياء منها، و حل لها ذلك، كما حلّت لكم الميتة و الدم و لحم الخنزير عند الاضطرار.
و أما الذي ذكرته من قلّة رحمتنا عليها، و قساوة قلوبنا، فلسنا نرى ما تشكو منا هذه البهائم، كما تشكو منكم و من جوركم و من ظلمكم و تعديكم عليها. و إن الذي ذكرت بأنا نقبض عليها بمخالب حداد، و أنياب صلاب، و نخرّق جلودها، و نشق أجوافها، و نكسر عظامها، و نشرب دماءها، و نأكل لحومها، فكذا أنتم تفعلون بها و تذبحونها بسكاكين حداد، و تسلخون جلودها، و تشقّون أجوافها، و تكسرون عظامها بالسواطير و الكيان و نار الطبخ و حرّ الشّوى زيادة على ما نفعل نحن بها.
و أما الذي ذكرت من ضررنا على الحيوانات، فالقول كما قلت، و لكن لو فكرت و اعتبرت، لعلمت و تبين لك بأن كل ذلك صغير حقير في جنب ما تفعلون أنتم بها من الضرر و الجور و الظلم، كما ذكر زعيم البهائم في الفصل الأول.
و أما ضرر بعضكم لبعض و ضرب بعضكم لبعض بالسيوف و السّياط و السكاكين، و الطعن بالرماح و الزّينيّات[١]، و الضرب بالدبابيس و الكلل[٢]،
[١] -الزينيات: الرماح، منسوبة إلى الزين، و هو شجر تعمل منه الرماح.
[٢] -الكلل: جمع الكلة، و هى الشفرة الكالّة.