رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢٤ - فصل
فصل
فقام رجل من أهل العراق عبراني و قال: الحمد للّه رب العالمين، و العاقبة للمتقين، و لا عدوان إلا على الظالمين «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» و هو الذي أكرمنا بالوحي و النبوّات و الكتب المنزلات و الآيات المحكمات و ما فيها من ألوان الحلال و الحرام، و الحدود و الأحكام، و الأوامر و النواهي، و الترغيب و الترهيب، من الوعد و الوعيد، و المدح و الثناء، و التذكار و الإخبار، و الأمثال و الاعتبار، و قصص الأولين و الآخرين، و صفات يوم الدين، و ما وعدنا من الجنان و النعيم، و ما أكرمنا به أيضا من الغسل و الطهارة و الصوم و الصدقة و الزّكاة و الأعياد و الجمعات و الذهاب إلى بيت العبادات و المساجد و البيع و الصّلوات. و لنا المنابر و الخطب و الأذان و المواقيت و الإفاضات و الإحرام و التّلبيات و المناسك و ما شاكلها. و كل هذه الخصال كرامات لنا، و أنتم بمعزل عنها، و كل ذلك دليل على أننا أرباب و أنتم لنا عبيد.
قال زعيم الطيور: لو تذكرت أيها الإنسي، و نظرت و اعتبرت، لعلمت و تبيّن لك أن هذه كلها عليكم لا لكم.
قال الملك: كيف ذلك؟ بيّنه لنا.
قال: لأنها كلها عذاب و عقوبات، و غفران للذنوب و محو للسيئات، و نهي عن الفحشاء و المنكر كما ذكر اللّه تعالى بقوله: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ» و قال: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ» و قال النبي، ٧: صوموا تصحّوا، و نحن براء من الذنوب و السيئات و الفحشاء و المنكر، فلم نحتج إلى شيء مما ذكرت و افتخرت.
و اعلم أيها الإنسي أن اللّه تعالى لم يبعث رسله و لا أنبياءه إلّا إلى الأمم الكافرة الجاهلة، و عامّة المشركين معه غيره، و المنكرين ربوبيته، و الجاحدين