رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٧ - فصل
فصل
فنطق عند ذلك زعيم الطيور، و هو الهزار داستان[١]، و كان قاعدا على غصن شجرة يترنم فقام و قال:
الحمد للّه الواحد الأحد، الفرد الصمد، القديم الأبد، الدائم السرمد، بلا شريك و لا ولد، بل هو مبدع المبدعات، و خالق المخلوقات، و علة الموجودات، و مسبب الكائنات من الجمادات و النباتات، و بارئ المبروءات، مركّب السماوات، و مولّد الموّلدات كيف شاء و أراد.
و اعلم، أيها الملك الكريم، أن هذا الإنسي افتخر بطيب مأكولاتهم، و لذيذ مشروباتهم، و لا يدري أن ذلك كلّه عقوبات لهم، و أسباب الشقاوة، و عذاب أليم، إذ في حرامها عذاب، و في حلالها حساب، و هم فيها بينهما من الخوف و الرجاء.
قال: الملك: و كيف ذلك؟ بيّن لنا.
قال: نعم، و ذلك أنهم يجمعون ذلك، و يحصّلونه بكدّ أبدانهم، و تعب نفوسهم، و جهد أرواحهم، و عرق جبينهم، و ما يلقون في ذلك من الشقاوة و الهوان، مما لا يعد و لا يحصى من كدّ الحرث و الزرع، و إثارة الأرض، و حفر الأنهار، و سد الشقّ، و عمل البريدات[٢]، و نصب الدواليب، و جلب الغروب[٣]، و السقي، و الحفظ و النظافة و الحصاد و الحمل و الجمع و الدّراس و التّذرية و الكيل و القسمة و الوزن و الطّحن و العجن و الخبز و بناء التّنور، و نصب القدور، و جمع الحطب و الشوك، و السّرقين[٤]، و وقود[٥] النيران،
[١] -الهزار داستان: العندليب، بالفارسية.
[٢] -البريدات: الدواب المرتبة، و هي دواب البريد التي تترتب للرسل.
[٣] -الغروب: جمع غرب، و هي الدلو.
[٤] -السرقين: الزبل.
[٥] -الوقود: الحطب، و ما توقد به النار.