رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢١٧ - فصل في بيان شكاية الحيوان من جور الانس
ثم تكلم البغل فقال: لو رأيتنا أيها الملك، و نحن. سارى في أيدي بني آدم، و الشّكال في أرجلنا، و اللّجم في أفواهنا، و الحكمات في أحناكنا، و الأقفال على فروجنا، ممنوعين عن شهوات نتاجنا، و الأكف[١] على ظهورنا، و سفهاء الإنس من الساسة و الركّابة فوق ذلك، و بأيديهم العصيّ و المقارع يضربون وجوهنا و أدبارنا، و يشتموننا بأقبح ما يقدرون عليه من الشتم و الفحشاء بحنق و غيظ و سفاهة، حتى إنه ربما بلغ به السّفه منهم أن يشتموا أنفسهم و أخواتهم و أمهاتهم و بناتهم، و يقولون: أير الحمار في است من باعه و اشتراه أو ملكه، يعني به صاحبه، كلّ ذلك راجع إليهم و هم به أولى.
فإذا فكّرت أيها الملك فيما هم فيه من هذه الأوصاف من السفاهة و الجهالة و الفحشاء و القبيح من الكلام، رأيت منهم عجبا من قلّة التحصيل لما هم فيه من الأحوال المذمومة و الصفات القبيحة و الأخلاق الرديئة و الأعمال السيئة و الجهالة المتراكمة و الآراء الفاسدة و المذاهب المختلفة، ثم لا يتوبون و لا هم يذكرون و لا يتّعظون بمواعظ أنبيائهم، و لا يأتمرون بوصيّة ربهم حيث يقول: «وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا، أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ». و قوله تعالى: «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ» و قوله تعالى:
«وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» و قوله تعالى: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» و قوله تعالى:
«لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ، إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ، وَ تَقُولُوا: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ[٢] وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ».
فلما فرغ البغل من كلامه التفت الجمل إلى الخنزير فقال له: قم و تكلم
[١] -الأكف: جمع اكاف، و هو البرذعة.
[٢] -مقرنين: مطيقين.