رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦٩ - فصل في اختلاف النبات من جهة الأزمان
شخصها من جوف تلك الأنبوبة، و تبسّط يمنة و يسرة تطلب مادّة يتغذى بها جسمها، فإذا أحسّت برطوبة و لين انبسطت إليه، و إذا أحسّت بخشونة أو صلابة انقبضت و غاصت في جوف تلك الأنبوبة حذرا من مؤذ لجسمها و مفسد لهيكلها. و ليس لها سمع و لا بصر و لا شمّ و لا ذوق إلّا الحسّ و اللمس فقط. و هكذا أكثر الدّيدان التي تتكوّن في الطين و في قعر البحار و أعماق الأنهار ليس لها سمع و لا بصر و لا ذوق و لا شمّ، لأن الحكمة الإلهية من مقتضاها أن لا تعطي الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جذب المنفعة و دفع المضرّة، لأنها لو أعطته ما لا يحتاج إليه لكان وبالا عليه في حفظه و بقائه.
فهذا النوع حيوان نباتيّ لأن جسمه ينبت كما ينبت بعض النبات، و يقوم على ساقه قائما، و هو من أجل أن يتحرّك جسمه حركة اختيارية حيوان، و من أجل أنه ليست له إلّا حاسّة واحدة فهو أنقص الحيوان رتبة في الحيوانية.
و تلك الحاسة أيضا فقد يشارك بها النبات، و ذلك أن النبات له حسّ اللمس فقط. و الدليل على ذلك إرساله بعروقه نحو المواضع النّدية، و امتناعه من إرسالها نحو الصخور و اليبس أيضا، فإنه متى اتفق منبته في مضيق مال و عدل عنه طالبا للفسحة و السّعة. فإن كان فوقه سقف يمنعه من الذهاب علوا و كان له ثقب من جانب، مال إلى نحو تلك الناحية، حتى إذا طال طلع من هناك.
فهذه الأفعال تدلّ على أن له حسّا و تمييزا بمقدار الحاجة. و أمّا حسّ الألم فليس للنبات، و ذلك أنه لم يلق بالحكمة الإلهية أن تجعل للنبات ألما.
و لم تجعل له حيلة الدفع كما جعلت للحيوان، و ذلك أن الحيوان لما جعلت له أن يحسّ بالألم جعلت له أيضا حيلة الدفع إمّا بالفرار و الذهاب و الهرب، و إمّا بالتحرّز، و إمّا بالممانعة. فقد بان بما وصفنا كيفيّة مرتبة الحيوانية مما يلي النبات، فنريد أن نبيّن كيفية مرتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسان فنقول: