رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥١ - فصل
مرتبة الحيوانيّة متصلة بأول مرتبة الإنسانية، و آخر مرتبة الإنسانية متصلة بأول مرتبة الملائكة الذين هم سكان السماوات و قاطنو الأفلاك الذين خلقهم اللّه تبارك و تعالى لعمارة عالمه مطيعين في طاعته لا يعصون اللّه ما أمرهم، و يفعلون ما يؤمرون، يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيّهم أقرب، و يرجون رحمته، و يخافون عذابه، و هم من خشيته مشفقون. فنقول:
اعلم يا أخي بأنك مندوب للقاء ربك، و مبعوث من هذه الدنيا إلى هذه المرتبة، و مقصود بك إليها منذ يوم خلقت تنتقل من حال أدون إلى حال هي أتمّ و أكمل و أشرف إلى أن تلقى ربّك و تشاهده، فيوفّي لك ما وعدك، فمن تلك الحالات ما قد جاوزت و شاهدت، و منها ما لم تبلغها بعد، و إنك قد أتى عليك حين من الدهر لم تك شيئا مذكورا، ثم خلقت نطفة من ماء مهين، ثم نقلت إلى الرّحم في قرار مكين، و مكثت هناك تسعة أشهر لتتميم البنية و تكميل الصورة، ثم نقلت إلى هذا الجوّ الفسيح و مكثت أربع سنين لإكمال التربية و اشتداد القوّة، و شاهدت بالحواسّ محسوساتها، و حصل لك الفهم و الذهن و التمييز و التفكّر و الرويّة و المعرفة الغريزية؛ ثم أسلمت إلى المكتب و علّمت ما لم تكن تعلم من القراءة و الكتابة و الآداب و الرياضيات و حساب الدواوين و الكيل و الموازين، ثم نقلت إلى مجلس أهل العلم و الفضل في المساجد و الصلوات و المشاهد و الأعياد، و إلى الأسواق و الصنائع و الأسفار لتشاهد هذا العالم بما فيه من الجبال و البراري و البحار و المدن و القرى و الأنهار، و عاينت فيه أصناف الخلائق من الحيوان و النبات و المعادن، و عرفت تصاريف أحوالها في الحرّ و البرد و الليل و الشتاء و الصيف و النور و الظلام، و تصاريف الرياح و الغيوم و الأمطار؛ و عاينت دوران الأفلاك و طوالع البروج، و مسيّرات الكواكب، و حوادث الأيام، و نوائب الحدثان، كلّ ذلك كيما تنتبه نفسك من نوم الغفلة، و تستيقظ من رقدة الجهالة، و تتفكّر فيما شاهدت، و تعتبر ما رأيت من أحوال هذه الدنيا؛