رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٣٥ - فصل
و العناية الرّبّانية للكواكب السيارة واسطة بين الطرفين اللذين هما المركز و المحيط لكيما إذا صعدت الكواكب في أوجاتها قربت من تلك الأشخاص الفاضلة، و استمدّت منها الفيض، و إذا انحطّت في الحضيض أوصلت تلك الفيوضات إلى هذه الأركان، فتكوّنت منها هذه الكائنات المتولّدات التي هي المعادن و الحيوان و النبات.
و اعلم يا أخي أنه إذا سرت تلك الفيوضات من هناك نحو مركز العالم نزلت البركات من السماء إلى الأرض، و هي الأرزاق و الرّحمة و الوحي و التأييد و النصر، فأوّل ما تسري تلك القوى في الأركان، فتكون منها المزاجات الكائنات في باطن الأرض لتكوين المعادن المختلفة الجواهر، الكثيرة المنافع، و على ظاهر وجهها يكون النبات الكثير الفوائد، و في الهواء الحيوانات الكثيرة الصّور، العجيبة الأعراض، باختلاف أنواعها و فنون أشخاصها، حتى إذا بلغ كلّ شيء منها إلى أقصى مدى غاياتها في أدوار الألوف، عطفت تلك القوّة راجعة نحو المحيط كما بدئ أوّل مرّة، فيكون منها البعث و النشور و المعراج و القيامة، كما ذكر اللّه تعالى:
«تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.» و اعلم أن تأثيرات الكواكب في هذه الأركان و مولّداتها تكون بحسب مناسباتها، و مناسباتها تكون بحسب أعظام أجرامها و أبعاد مراكزها و حركات أجرامها، كما أن تأثيرات نغم الموسيقى تؤثّر في النفوس بحسب مناسباتها و بحسب دقّة أوتارها و غلظها، و خرقها و استرخائها، و ثقل تحريكها و خفّتها، كما بيّنا في رسالة الموسيقى.
و اعلم يا أخي أن المناسبات التي هي بين الأركان و مولّداتها، و بين الكواكب السيّارة و مركز أفلاكها، مختلفة، تارة تكون على نسبة الأفضل، و تارة تكون على نسبة الأدون، و تارة بين ذلك. فإذا اتّفق أن تكون الكواكب عند استئناف الأدوار على نسبة الأفضل، تكون