رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١١٠ - فصل
أجل أنه ليس فيه أجزاء ترابية مظلمة، بل كلّها أجزاء مائية قد غلظت و صفت و نضجت و جمدت و يبست، فلا تقدر النار على تفريق أجزائها لشدّة اتحادها و يبسها. و أما سرعة ذوبان بعض الأجسام و احتراقها، مثل الرصاص و الأسرب، فهو من أجل أن الأجزاء المائيّة و الهوائيّة غير متّحدة بالأجزاء الترابية. و أمّا سوادها فمن أجل أنها غير نضجة و ثقلها من أجل كثرة الأجزاء الأرضية فيها، و اللّه أعلم.
فصل
و اعلم يا أخي أن لهذه الجواهر خواصّ كثيرة، و طباعها مختلفة: فمنها متضادّة متنافرة، و منها متشاكلة متآلفة، و لها تأثيرات بعضها في بعض، إمّا جذبا أو إمساكا أو دفعا أو نفورا. و لها أيضا شعور خفيّ و حسّ لطيف كما للنبات و الحيوان، إمّا شوقا و محبة، و إمّا بغضا و عداوة، لا يعلم كنه عللها إلا اللّه تعالى. و الدليل على صحة ما قلنا و حقيقة ما وصفنا، قول الحكماء في كتاب الأحجار و نعتهم لها أن طبيعة تألف طبيعة، و طبيعة تناسب طبيعة أخرى، و طبيعة تلصق بطبيعة، و طبيعة تأنس بطبيعة، و طبيعة تقهر طبيعة، و طبيعة تقوى على طبيعة، و طبيعة تضعف عن طبيعة، و طبيعة تلهب طبيعة، و طبيعة تحبّ طبيعة، و طبيعة تطيب مع طبيعة، و طبيعة تفسد مع طبيعة، و طبيعة تبيّض طبيعة، و طبيعة تحمّر طبيعة، و طبيعة تهرب من طبيعة، و طبيعة تبغض طبيعة، و طبيعة تمازج طبيعة.
فأما الطبيعة التي تألف طبيعة أخرى فمثل الألماس و الذهب، فإنه إذا قرب من الذهب التصق به و أمسكه. و يقال إن الألماس لا يوجد إلا في معدن الذهب، و في واد من ناحية المشرق؛ و مثل طبيعة حجر المغناطيس