التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٤ - الفصل الثاني في بيان كون القرآن معجزا
القدرة لهم على ذلك بقضية عامّة، و أمر حتم لا تردّد فيه.
فدلّت هذه الآيات على التحدّي، مرّة بالقرآن كلّه، و مرة بعشر سور، و مرّة بسورة واحدة، و هذا هو النهاية في بلوغ التحدّي، و هذا كقول الرجل لغيره:
هات قوما مثل قومي، هات كنصفهم، هات كربعهم، هات كواحد منهم.
و إنّما قلنا: إنّهم عجزوا عن معارضته لأنّ دواعيهم متوفّرة على الإتيان بها، لأنّه (عليه السّلام) كلّف العرب ترك أديانهم، و حطّ رئاستهم، و أوجب عليهم ما يتعب أبدانهم، و ينقص أموالهم، و طالبهم بعداوة أصدقائهم، و صداقة أعدائهم، و خلع الأنداد و الأصنام من بين أظهرهم، و كانت أحبّ اليهم من أنفسهم، من أجل الدين، و لا شك أنّ كلّ واحد من هذه الامور ممّا يشقّ على القلوب تحمّله، و لا سيّما على العرب مع كثرة حميّتهم و عظيم أنفتهم، و لا شكّ أنّ الإنسان اذا استنزل غيره عن رئاسته، و دعاه الى طاعته، فإنّ ذلك الغير يحاول إبطال أمره بكلّ ما يقدر عليه و يجد اليه سبيلا.
و لمّا كانت معارضة القرآن بتقدير وقوعها مبطلة لأمر الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، علمنا لا محالة قطعا توفّر دواعي العرب عليها، و إنمّا قلنا: إنّه ما كان لهم مانع عنها لأنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ما كان في أوّل أمره بحيث تخاف قهره كلّ العرب، بل هو الذي كان خائفا منهم، و إنّما قلنا: إنّهم لم يعارضوه لأنّهم لو أتوا بالمعارضة لكان اشتهارها أحقّ من اشتهار القرآن لأنّ القرآن حينئذ يصير كالشبهة و تلك المعارضة كالحجة، لأنّها هي المبطلة لأمره و متى كان الأمر كما قلناه و كانت الدواعي متوفّرة على إبطال ابّهة المدّعى و إبطال رونقه، و إزالة بهائه، كان اشتهار المعارضة أولى من اشتهار الأصل فلمّا لم تكن مشتهرة علمنا لا محالة بطلانها، و أنّها ما كانت، و إنّما قلنا: إنّ كلّ من توفّرت دواعيه الى الشيء و لم يوجد مانع منه، ثمّ لم يتمكّن من فعله، فإنّه يكون عاجزا، لأنّه لا معنى للعجز إلّا ذاك، و بهذا الطريق نعرف عجزنا عن