التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٨ - ٢٠ - كعب بن زهير المزني
ثلاثا، فإن قلت فلك كذا من الإبل العصافير[١] و إلّا فضربة بالسيف بالغة ما بلغت! فخرج النابغة و هو وجل و أتى زهير بن أبي سلمى والد كعب، و كان زميله في الشعر و القريض فنحر له و أكرمه و قصّ عليه الخبر، فجلسا يفكّران لا يصفران شيئا، و كان كعب حينذاك صبيّا يلعب بالتراب مع الصبيان. فأقبل فرأى كلّا منهما واضعا ذقنه على صدره يفكّر! فقال: يا أبت ما لي أراك قد اغتممت؟
فقال: تنحّ! فدعاه النابغة و وضعه على فخذه، و أنشده البيت.
فقال كعب للنابغة: يا عمّ ما يمنعك أن تقول:
|
و ذلك إن فللت الغيّ عنها |
فتمنع جانبيها أن تميلا |
|
فضمّه أبوه إليه و قال: ابني و ربّ الكعبة. و أعجب النابغة، فغدا على النعمان و أنشده، و ساق الإبل الى كعب فأبى أن يقبلها منه.
مات أبوه زهير كافرا قبل المبعث، و بقي كعب و أخوه بجير كافرين، حتى فتح اللّه مكة على يد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فاتفق أنّ كعبا و بجير خرجا في غنم لهما حتى أتيا أبرق و ذلك عند منصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن الطائف سنة تسع من الهجرة، فقال بجير لكعب: اثبت في غنمنا حتى آتى هذا الرجل فأسمع ما يقول. فجاء بجير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأسلم، فبلغ ذلك كعبا، فقال:
|
ألا أبلغا عنّي بجيرا رسالة |
على أي شيء ويب غيرك دلّكا؟ |
|
في أبيات .. يهجو بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)![٢]
[١] العصفور: السيّد و المقصود هنا: النجائب.
[٢] اختلف نقل الأبيات، كذا نقلها ابن هشام: ج ٤ ص ١٤٥.
قوله:« ويب غيرك». ويب بالواو: كلمة مثل ويل لفظا و معنا، منصوب على إضمار فعل، و هو دعاء بالهلاك أي ليهلك غيرك، مقصودا به النّبي( صلى اللّه عليه و آله) و قبله:« و خالفت أسباب الهدى و اتبعته» فيما سجّله ابن هشام، فراجع.