التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - ٢ - لبيد بن ربيعة العامري
و هى تشتمل على تصوير قصصي جميل، و كان في تشبيهاته القصصيّة صادقا في عاطفته، و قد أظهر في وصفه مقدرة نادرة في دقته و إسهابه و إلإحاطة بجميع صور الموصوف[١].
و لبيد لم يزل معاديا للإسلام معاندا، فكان ممّن تأخّر في إسلامه، حتّى اضطربت به الظروف، كسائر كبراء قريش.
و هو الذي عارضه عثمان بن مظعون و هو ينشد في مجلس من قريش، و ذلك بعد أن تخلّى عثمان من جوار الوليد بن المغيرة كراهة ان يذمّه مشرك. فصادف في منصرفه لبيدا ينشد هذا الشعر: «الاكل شيء ما خلا اللّه باطل». فقال عثمان: صدقت. ثم قال: «و كلّ نعيم لا محالة زائل». فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول.
قال لبيد: يا معشر قريش، و اللّه ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إنّ هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله! فردّ عليه عثمان حتى شرى أمرهما[٢] فقام إليه الرجل فلطم عينه فخضّرها[٣].
و لمّا كانت سنة التسع و هي سنة الوفود، و قد افتتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مكة، و فرغ من تبوك، و أسلمت ثقيف و بايعت، أتته وفود العرب مستسلمة من كلّ وجه، لأنّ العرب كانت تربّص بالإسلام أمر قريش، فلمّا دانت له قريش و دوّخها الإسلام و عرفت العرب أن لا طاقة لهم بحرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لا البقاء على عداوته، هرعوا يدخلون في دين اللّه أفواجا، يضربون، إليه من كلّ صوب و مكان.
و من جملة الوفود وفد بني عامر، و فيهم عامر بن الطفيل، و أربد بن قيس،
[١] الزوزني: ص ٩٠.
[٢] أي اشتد و عظم الجدال.
[٣] أي جعل عينه خضراء من شدة اللطمة.