التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٩ - ١٠ - ابو العلاء المعري
لكنّه كلام ليس يشبه من كلام أديب شاعر بليغ. قال الرافعي: و تلك و لا ريب فرية على المعرّي أراده بها عدوّ حاذق، لأنّ الرجل أبصر بنفسه و بطبقة الكلام الذي يعارضه. و لأنّه هو الذي أثبت إعجاز القرآن فيما كتبه ردّا على ابن الراوندي فيما نسب إليه.
قال:- بشأن إعجاز القرآن-: «و أجمع ملحد و مهتد، و ناكب عن المحجّة و مقتد، أنّ هذا الكتاب الذي جاء به محمد (صلى اللّه عليه و آله) كتاب بهر بالإعجاز، و لقى عدوّه بالإرجاز، ما حذي على مثال، و لا أشبه غريب الأمثال، ما هو من القصيد الموزون، و لا الرجز من سهل و حزون، و لا شاكل خطابة العرب، و لا سجع الكهنة ذوي الإرب ... و أنّ الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون، فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق، و الزهرة البادية في جدوب ذاب نسق، فتبارك اللّه رب العالمين»[١].
نعم يجوز أن يكون الكلام الآنف إنّما قاله مداعبة لا عن جدّ و عن واقعيّة أرادها. قال الخطيب: إن يكن ذلك من كلام أبي العلاء فلن يكون إلّا عن معابثة أرادها و قعد لها، و إلّا فإنّ أبا العلاء لا يرضى بنفسه أن تنزله الى هذا السخف في مقام الجدّ أبدا. و إنّه إذا كان أبو العلاء يتّهم في دينه، فإنّه لا يتهم في أدبه، و إن ذوقه للكلام و بصره بمواقع الحسن و الروعة فيه يحميه من أن يزلّ أو ينزلق فيتصدّى لمعارضة القرآن و يلقي بنفسه في البحر ليكون من المغرقين.
و هو الذي دأب على أن يزيّن كلامه و أدبه بما يقبس من كلمات القرآن و آياته، فهل من يفعل ذلك يتصدّى لمعارضة القرآن؟! المعرّي أعقل من هذا و أعرف الناس بمكانة القرآن![٢].
[١] معجم الأدباء: ج ٣ ص ١١٠.
[٢] الإعجاز في دراسات السابقين: ص ٥٠٤.