التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٩ - الفصل الثالث في بيان الوجه في إعجاز القرآن
آخر غير ما ذكرناه فمن حقّكم إبرازه حتى ننظر فيه فنظهر صحّته أو فساده.
و ثانيها: أنّ الأسلوب لا يمنع من الإتيان باسلوب مثله، فلو كان الأمر كما زعمتموه، جازت معارضة القرآن بمثله، لأنّ الإتيان باسلوب يماثله سهل و يسير على كلّ أحد.
و ثالثها: أنّه لو كان الإعجاز إنّما كان من جهة الأسلوب لكان ما يحكى عن (مسيلمة) الكذّاب معجزا و هو قوله: إنّا أعطيناك الجواهر، فصلّ لربّك و جاهر، و قوله: و الطّاحنات طحنا، و الخابزات خبزا، لأنّ ما هذا حاله مختصّ باسلوب لا محالة، فكان يكون معجزا، و أنّه محال.
و من وجه رابع و هو أنه لو كان وجه إعجازه الأسلوب، لما وقع التفاوت بين قوله تعالى، وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ[١] و بين قول الفصحاء من العرب (القتل أنفى للقتل) لأنّهما مستويان في الأسلوب، فلمّا وقع التفاوت بينهما دلّ على بطلان هذه المقالة و اللّه أعلم.
المذهب الثالث: قول من زعم أنّ وجه إعجازه إنّما هو خلوّه عن المناقضة.
و هذا فاسد لأوجه.
أمّا أوّلا: فلأنّ الإجماع منعقد على أنّ التحدّي واقع بكل واحدة من سور القرآن، و قد يوجد في كثير من الخطب، و الشعر، و الرسائل، ما يكون في مقدار سورة خاليا عن التناقض، فيلزم أن يكون معجزا.
و أمّا ثانيا: فلأنّه لو كان الأمر، كما قالوه في وجه الإعجاز، لم يكن تعجّبهم من أجل فصاحته، و حسن نظمه، و لوجب أن يكون تعجّبهم من أجل سلامته عمّا قالوه، فلمّا علمنا من حالهم خلاف ذلك بطل ما زعموه.
و أمّا ثالثا: فلأنّ السلامة عن المناقضة ليس خارقا للعادات، فإنّه ربّما أمكن كثيرا في سائر الازمان، و إذا كان معتادا لم يكن العلم بخلوّ القرآن عن
[١] البقرة: ١٧٩.