التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢ - ٦ - رأي الامام الرازي
و رابعها: أنّ كلّ من قال شعرا فصيحا في وصف شيء فإنّه إذا كرّره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأوّل: و في القرآن التكرار الكثير، و مع ذلك، كلّ واحد منها في نهاية الفصاحة و لم يظهر التفاوت أصلا.
و خامسها: أنّه اقتصر على ايجاب العبادات و تحريم القبائح و الحثّ على مكارم الأخلاق و ترك الدنيا و اختيار الآخرة، و أمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة.
و سادسها: أنّهم قالوا في شعر امرئ القيس: يحسن عند الطرب و ذكر النساء و صفة الخيل. و شعر النابغة عند الخوف. و شعر الأعشى عند الطلب و وصف الخمر. و شعر زهير عند الرغبة و الرجاء. و بالجملة فكلّ شاعر يحسن كلامه في فنّ، فإنّه يضعف كلامه في غير ذلك الفنّ. أمّا القرآن فإنّه جاء فصيحا في كلّ الفنون على غاية الفصاحة:
أ لا ترى أنّه سبحانه و تعالى قال في الترغيب: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ[١] و قال تعالى: وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ[٢].
و قال في الترهيب: أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ[٣].
و قال: أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ[٤].
و قال: وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ- الى قوله- وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ[٥].
و قال في الزجر ما لا يبلغه و هم البشر، و هو قوله: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ- الى قوله- وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا[٦].
و قال في الوعظ ما لا مزيد عليه: أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ[٧].
و قال في الإلهيّات: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ[٨].
[١] السجدة: ١٧.
[٢] الزخرف: ٧١.
[٣] الإسراء: ٦٨.
[٤] الملك: ١٦- ١٧.
[٥] إبراهيم: ١٥- ١٧.
[٦] العنكبوت: ٤٠.
[٧] الشعراء: ٢٠٥.
[٨] الرعد: ٨.