التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١ - ٦ - رأي الامام الرازي
لا ينقض العادة، أو زائدا عليه بقدر ينقض. و القسمان الأوّلان باطلان فتعيّن الثالث.
و إنّما قلنا: إنّهما باطلان، لأنّه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين او منفردين، فإن وقع التنازع و حصل الخوف من عدم القبول، فالشهود و الحكام يزيلون الشبهة، و ذلك نهاية في الاحتجاج، لأنّهم كانوا في معرفة اللغة و الاطّلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، و كانوا في محبّة إبطال أمره في الغاية، حتى بذلوا النفوس، و الأموال و ارتكبوا ضروب المهالك و المحن، و كانوا في الحميّة و الأنفة على حدّ لا يقبلون الحقّ فكيف الباطل. و كلّ ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله، و المعارضة أقوى القوادح. فلمّا لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها، فثبت أنّ القرآن لا يماثل قولهم، و أنّ التفاوت بينه و بين كلامهم ليس تفاوتا معتادا، فهو إذن تفاوت ناقض للعادة، فوجب أن يكون معجزا.
.. و اعلم أنّه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته، و مع ذلك فإنّه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزا.
أحدها: أنّ فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، و ليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة الّتي اتفقت العرب عليها في كلامهم.
و ثانيها: أنّه تعالى راعى فيه طريقة الصدق و تنزّه عن الكذب في جميعه، و كل شاعر ترك الكذب و التزم الصدق نزل شعره و لم يكن جيّدا، أ لا ترى أنّ لبيد بن ربيعة و حسّان بن ثابت لمّا أسلما نزل شعرهما و لم يكن شعرهما الإسلاميّ في الجودة كشعرهما الجاهلي. و أنّ اللّه تعالى مع ما تنزّه عن الكذب و المجازفة جاء بالقرآن فصيحا كما ترى.
و ثالثها: أنّ الكلام الفصيح و الشعر الفصيح، إنّما يتّفق في القصيدة في البيت و البيتين و الباقي لا يكون كذلك. و ليس كذلك القرآن، لأنّه كلّه فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته.