التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠ - ٦ - رأي الامام الرازي
و يتعاطاها بانشراح صدر، و قد تضمن ذلك قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً[١] و
قول النبي (صلى اللّه عليه و آله) «اعلموا فكل ميسر لما خلق له»[٢].
فلما رئي أهل البلاغة و الخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة ألسنتهم، و قد دعا اللّه جماعتهم إلى معارضة القرآن، و عجزهم عن الاتيان بمثله، و ليس تهتزّ غرائزهم البتة للتصدي لمعارضته لم يخف على ذي لب أن صارفا الهيا يصرفهم عن ذلك. و أي إعجاز أعظم من أن تكون كافة البلغاء مخيّرة في الظاهر أن يعارضوه، و مجبرة في الباطن عن ذلك. و ما أليقهم بإنشاد ما قال ابو تمام:
|
فإن نك اهملنا فأضعف بسعينا |
و إن نك اجبرنا ففيم نتعتع |
|
و اللّه ولي التوفيق و العصمة[٣]
٦- رأي الامام الرازي:
و لأبي عبد اللّه محمد بن عمر بن حسين فخر الدين الرازي (توفي سنة ٦٠٦) المفسّر المتكلّم الاصولي الكبير، رأي في إعجاز القرآن طريف، و هو جمعه بين أمور شتّى، كانت تستدعي هبوطا في فصاحة الكلام، لو كان أحد من البشر حاول القيام بها أجمع، لو لا أنّ القرآن كلام اللّه الخارق لمألوف الناس، فقد جمع بين أفنان الكلام، و مع ذلك فقد بلغ الغاية في الفصاحة، و تسنّم الذروة من البلاغة، و هذا أمر عجيب! قال: اعلم أنّ كونه (القرآن) معجزا يمكن بيانه من طريقين:
الأوّل أن يقال: إنّ هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إمّا أن يكون مساويا لسائر كلام الفصحاء، أو زائدا على سائر كلام الفصحاء بقدر
[١] المائدة: ٤٨.
[٢] مسند احمد ج ٤ ص ٦٧.
[٣] عن مقدمته على التفسير: ١٠٤- ١٠٩.