التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦ - ٥ - رأي الراغب الأصفهاني
ثمّ أخذ في تحديد البلاغة و إماطة اللثام عن وجوهها المحتجبة، و كذا الفصاحة بقسميها اللفظيّ و المعنويّ، و ضرب لذلك مثلا بآية وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ...[١] و بيان جهاتها الأربع من جهتي المعاني و البيان، و هما مرجعا البلاغة، و من جهتي الفصاحة المعنويّة و اللفظيّة و أسهب في الكلام عن ذلك، و قال- أخيرا-: و للّه درّ التنزيل، لا يتأمّل العالم آية من آياته، إلّا أدرك لطائف لا تسع الحصر[٢].
و غرضه من ذلك: أنّ لحدّ الإعجاز ذروة لا يبلغها الوصف، و لكن يمكن فهمها و درك سنامها، بسبب الإحاطة بأسرار هذين العلمين، فهي حقيقة تدرك و لا توصف.
٥- رأي الراغب الأصفهاني:
لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (توفي سنة ٥٠٢) صاحب كتاب المفردات، رأي في إعجاز القرآن يخصّه، أنّه يرى من الإعجاز قائما بسبكه الخاصّ الذي لم يألفه العرب لحدّ ذاك، فلا هو نثر كنثرهم المعهود، لأنّ فيه الوزن و القافية و أجراس النغم. و لا هو شعر، لأنّه لم يجر مجرى سائر أشعار العرب و لا على أوزانها المعروفة و إن كانت له خاصيّة الشعر، من التأثير في النفس بلحنه الشعريّ النغميّ الغريب.
قال- بعد كلام له في وصف إعجاز القرآن قدّمناه آنفا-:
و هذه الجملة المذكورة، و إن كانت دالّة على كون القرآن معجزا، فليس بمقنع إلّا بتبيين فصلين:
أحدهما: أن يبين ما الذي هو معجز: اللفظ أم المعنى أم النظم؟ أم ثلاثتها؟ فإن كل كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة.
[١] هود: ٤٤ و سنذكرها في ج ٥ ص ٧٦.
[٢] مفتاح العلوم: ص ١٩٦- ١٩٩.