التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥ - ٤ - رأي السكاكي
ثم قال- في وجه التحدّي-: لم يكن التحدّي الى أن يعبّروا عن معاني القرآن أنفسها و بأعيانها بلفظ يشبه لفظه و نظم يوازي نظمه، هذا تقدير باطل. فإنّ التحدّي كان الى أن يجيئوا، في أيّ معنى شاءوا من المعاني، بنظم يبلغ نظم القرآن، في الشرف أو يقرب منه. يدلّ على ذلك قوله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ[١] أي مثله في النظم، و ليكن المعنى مفترى لما قلتم.
فلا الى المعنى دعيتم، و لكن الى النظم ...[٢].
قال: و يجزم القول بأنهم تحدّوا الى أن يجيئوا في أيّ معنى أرادوا مطلقا غير مقيّد، و موسّعا عليهم غير مضيّق، بما يشبه نظم القرآن أن يقرب من ذلك[٣].
٤- رأي السكاكي:
يرى أبو يعقوب، يوسف بن محمد بن علي السكاكي، صاحب مفتاح العلوم، (توفي سنة ٥٦٧)، أنّ الإعجاز في القرآن أمر يمكن دركه و لا يمكن وصفه، و المدرك هو الذوق، الحاصل من ممارسة علمي الفصاحة و البلاغة و طول خدمتهما لا غير. فقد جعل للبلاغة طرفين، أعلى و أسفل و بينهما مراتب لا تحصى. و الدرجة السفلى هي التي إذا هبط الكلام عنها شيئا التحق بأصوات الحيوانات، ثم تتزايد درجة درجة متصاعدة، حتى تبلغ قمّتها و هو حدّ الإعجاز، و هو الطرف الأعلى و ما يقرب منه ... فقد جعل من الدرجة القصوى و ما يقرب منها كليهما من حدّ الإعجاز.
ثم قال بشأن الإعجاز: و اعلم أنّ شأن الإعجاز عجيب، يدرك و لا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك و لا يمكن وصفها، و كالملاحة. و مدرك الإعجاز- عندي- هو الذوق ليس إلّا، و طريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين (المعاني و البيان) ...
[١] هود: ١٣.
[٢] الشافية: ص ١٤١ و ١٤٤.
[٣] الشافية: ص ١٤١ و ١٤٤.