التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - ٣ - رأي عبد القاهر الجرجاني
و يعقب ذلك بأنّ هذه كانت دلائل إعجاز القرآن، و مزايا ظهرت في نظمه و سياقه، بهرت العرب الأوائل، فهل ينبغي للفتى الذكي العاقل أن يكون مقلّدا في ذلك، أم يكون باحثا و متتبعا كي يعلم ذلك بيقين؟
|
يقولون أقوالا و لا يعلمونها |
و لو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا[١] |
|
و من ثمّ وضع كتابه الحاضر (دلائل الإعجاز) ليدلّ الناشدين على ضالّتهم، و يضع يدهم على مواقع الإعجاز من القرآن، و يدعم مدعاه في ذلك بالحجة و البرهان. و الرائد لا يكذب أهله. قال: و بذلك قد قطعت عذر المتهاون، و دللت على ما أضاع من حظّه، و هدايته لرشده ..[٢].
و قال- في رسالته الشافية-: كيف يجوز أن يظهر في صميم العرب و في مثل قريش ذوي الأنفس الأبية و الهمم العلية و الأنفة و الحمية من يدّعي النبوّة و يقول: و حجّتي أنّ اللّه قد أنزل عليّ كتابا تعرفون ألفاظه و تفهمون معانيه، إلّا أنّكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله و لا بعشر سور منه و لا بسورة واحدة، و لو جهدتم جهدكم و اجتمع معكم الجنّ و الإنس. ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه و يبيّنوا سرفه في دعواه، لو كان ممكنا لهم، و قد بلغ بهم الغيظ من مقالته حدّا تركوا معه أحلامهم و خرجوا عن طاعة عقولهم، حتى واجهوه بكلّ قبيح و لقوه بكلّ أذى و مكروه و وقفوا له بكلّ طريق. و هل سمع قطّ بذي عقل استطاع أن يخرس خصمه بكلمة يجيبه بها، فيترك ذلك الى امور ينسب معها الى ضيق الذرع و أنّه مغلوب قد أعوزته الحيلة و عزّ عليه المخلص، و هل مثل هذا إلّا مثل رجل عرض له خصم فادّعى عليه دعوى خطيرة و أقام على دعواه بيّنة، و كان عند المدّعى عليه ما يبطل تلك البيّنة أو يعارضها، فيترك إظهار ذلك و يضرب عنه الصفح جملة، ليصير الحال بينهما الى جدال عنيف و إخطار بالمهج و النفوس ... قال:
هذه شهادة الأحوال، و أما شهادة الأقوال فكثيرة ...[٣]
[١] البيت لأبي الأسود الدولي.
[٢] دلائل الاعجاز: ص ٢٩.
[٣] الشافية، المطبوعة ضمن ثلاث رسائل: ص ١٢٠- ١٢٢.