التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣ - ٣ - رأي عبد القاهر الجرجاني
المتأنّي، رجوت أن يحسن ظنك، و أن تنشط للإصغاء الى ما أورده عليك، و هي: إنّا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا: لو لا أنّهم حين سمعوا القرآن، و حين تحدّوا الى معارضته، سمعوا كلاما لم يسمعوا قط مثله، و أنّهم قد رازوا أنفسهم[١] فأحسّوا بالعجز على أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه، أو يقع قريبا منه، لكان محالا أن يدّعوا معارضته و قد تحدّوا إليه، و قرعوا فيه، و طولبوا به، و أن يتعرضوا لشبا الأسنّة[٢] و يقتحموا موارد الموت ...
فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبّرونا عنهم، عمّا ذا عجزوا، أ عن معان من دقة معانيه و حسنها و صحّتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ .. فإن قلتم:
عن الألفاظ، فما ذا أعجزهم من اللفظ، أم بهرهم منه؟ ..
فقلنا: أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، و خصائص صادفوها في سياق لفظه، و بدائع راعتهم من مبادئ آية و مقاطعها، و مجاري ألفاظها و مواقعها، و في مضرب كلّ مثل، و مساق كلّ خبر، و صورة كلّ عظة و تنبيه و إعلام، و تذكير و ترغيب و ترهيب، و مع كلّ حجة و برهان، و صفة و تبيان و بهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة، و عشرا عشرا، و آية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها و لفظة ينكر شأنها، أو يرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى و أخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، و أعجز الجمهور، و نظاما، و التئاما، و إتقانا و إحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم لوحك بيافوخه السماء[٣] موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدّعي و تقول و خلدت القروم[٤]. فلم تملك أن تصول ...[٥].
[١] يقال: راز الحجر أي وزنه ليعرف ثقله: و راز الرجل: جرّب ما عنده ليختبره.
[٢] الشبا: جمع شبوة، و هي ابرة العقرب، و حدّ كلّ شيء.
[٣] اليافوخ: مقدّمة الدماغ في الرأس و هو مثل يضرب لمن يستعلي و يتكبّر.
[٤] القرم- بالفتح-: الفحل إذا ترك عن الركوب و العمل.
[٥] دلائل الاعجاز: ص ٢٧- ٢٨.