التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢ - ٣ - رأي عبد القاهر الجرجاني
و العجيب من الوصف، حتى أعجز الخلق قاطبة، و حتى قهر من البلغاء و الفصحاء القوى و القدر، و قيّد الخواطر و الفكر، حتى خرست الشقاشق[١] و عدم نطق الناطق و حتى لم يجر لسان، و لم يبن بيان، و لم يساعد إمكان، و لم ينقدح لأحد منهم زند، و لم يمض له حدّ، و حتى أسال الوادي عليهم عجزا، و أخذ منافذ القول عليهم أخذا؟
.. أ يلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله، و نردّه عن ضلاله، و أن نطبّ لدائه، و نزيل الفساد عن رائه[٢]؟ فإن كان ذلك يلزمنا، فينبغي لكلّ ذي دين و عقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه (يريد نفس كتاب دلائل الإعجاز) و يستقصي التأمّل لما أودعناه ...[٣].
و كرّ في الكتاب قائلا: و إنّه كما يفضل النظم النظم، و التأليف التأليف، و النسج النسج، و الصياغة الصياغة، ثم يعظم الفضل، و تكثر المزيّة، حتى يفوق الشيء نظيره و المجانس له درجات كثيرة، و حتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك يفضل بعض الكلام بعضا، و يتقدّم منه الشيء الشيء، ثمّ يزداد من فضله ذلك، و يترقّى منزلة فوق منزلة، و يعلو مرقبا بعد مرقب و يستأنف له غاية بعد غاية، حتى ينتهي الى حيث تنقطع الأطماع، و تحسر الظنون، و تسقط القوى و تستوي الاقدام في العجز ...[٤].
ثم قال: و اعلم أنّه لا سبيل الى أن تعرف صحّة هذه الجملة حتى يبلغ القول غايته، و ينتهي الى آخر ما أردت جمعه لك، و تصويره في نفسك، و تقريره عندك، إلّا أنّ هاهنا نكتة، إن أنت تأمّلتها تأمّل المتثبّت، و نظرت فيها نظر
[١] الشقاشق: جمع شقشقة- بكسر الشين- و هي لهاة البعير أو شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج و يقال للفصيح: هدرت شقاشقه، يريدون الانطلاق في القول و قوّة البيان و يقال في مقابل ذلك:
خرست شقاشقه.
[٢] الراء: الرأي.
[٣] في مقدمة دلائل الإعجاز: ص( ف- ص).
[٤] دلائل الإعجاز: ص ٢٥- ٢٦.