التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨ - ١ - رأي أبي سليمان البستي
فقهاء في الدين.
.. فإذا قد عرفت هذه الأصول، تبيّنت أنّ القوم إنّما كاعوا[١] و جبنوا عن معارضة القرآن لما قد كان يئودهم و يتصعّدهم منه، و قد كانوا بطباعهم يتبيّنون مواضع تلك الامور و يعرفون ما يلزمهم من شروطها و من العهدة فيها، و يعلمون أنّهم لا يبلغون شأوها[٢] فتركوا المعارضة لعجزهم، و أقبلوا على المحاربة لجهلهم، فكان حظّهم ممّا فرّوا إليه حظّهم ممّا فزعوا منه، فغلبوا هناك و انقلبوا صاغرين، و الحمد للّه ربّ العالمين[٣].
و قال- في خاتمة الرسالة-: في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلّا الشاذّ من آحادهم، و ذلك صنيعه بالقلوب و تأثيره في النفوس، فإنّك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما و لا منثورا، إذا قرع السمع خلص له الى القلب من اللذة و الحلاوة في الحال، و من الروعة و المهابة في اخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس و تنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظّها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب و القلق، و تغشّاها الخوف و الفرق. تقشعرّ منه الجلود، و تنزعج له القلوب، يحول بين النفس و بين مضمراتها و عقائدها الراسخة فيها، فكم من عدوّ للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من رجال العرب و فتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله و قتله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحوّلوا عن رأيهم الأوّل، و أن يركنوا الى مسالمته و يدخلوا في دينه، و صارت عداوتهم موالاة، و كفرهم إيمانا.
بعث الملأ من قريش عتبة بن ربيعة الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ليوافقوه على امور أرسلوه بها فقرأ عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) آيات من حم
[١] كان عن الشيء: هابه و خاف عن مقابلته.
[٢] الشأو: الأمد، الغاية.
[٣] المصدر: ص ٢٩- ٣٥.