التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٢
و قالت امّ حكيم البيضاء ترثي أباها عبد المطلب:
|
ألا يا عين جودي و استهلّي |
و بكّي ذا الندى و المكرمات |
|
|
ألا يا عين ويحك أسعفيني |
بدمع من دموع هاطلات |
|
الى أن تقول:
|
فبكّيه و لا تسمي بحزن |
و بكّي، ما بقيت، الباكيات |
|
و قالت اميمة بنت عبد المطلب تبكي أباها:
|
ألا هلك الرّاعي العشيرة ذو الفقد |
و ساقي الحجيج و المحامي عن المجد |
|
الى أن تقول:
|
فقد كان زينا للعشيرة كلّها |
و كان حميدا حيث ما كان من حمد |
|
و قالت أروى بنت عبد المطلب تبكي أباها:
|
بكت عيني و حقّ لها البكاء |
على سمح سجيّته الحياء |
|
الى أن تقول:
|
مضى قدما بذي ربد خشيب |
عليه حين تبصره البهاء[١] |
|
و ذكر محمد بن سعيد بن المسيّب أنّ عبد المطلب أشار برأسه و قد أصمت أضمت: أن هكذا فابكيني[٢].
الإعجاز: ص ١٤٦.
الخلائق: جمع خليقة بمعنى سجيّة و من ظريف تنبهه ما يحكى أنه كان قد تحصّن بقرية( اعزاز) من أعمال حلب، و كان بينه و بين أبي نصر محمد بن النحّاس الوزير المحمود بن صالح مودّة مؤكّدة، و كان محمود يريد القبض عليه فأمر أبا نصر أن يكتب الى الخفاجي كتابا يستعطفه و يؤنسه، قال: إنّه لا يؤمن إلّا إليك و لا يثق إلّا بك. فكتب بمحضره و أضاف في آخره( إن شاء اللّه) لكنّه شدّة النون ... فلمّا أن قرأه الخفاجي خرج قاصدا حلب، فلمّا- كان في بعض الطريق أعاد النظر في الكتاب، فلمّا رأى التشديد على النون أمسك بعنان فرسه، و فكّر في نفسه أنّ ابن النحّاس لا يخطأ في كتابته، فلم يضع التشديد هنا عبثا، فلاح له أنّه أراد قوله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ! فقفل راجعا الى حصنه، و كتب في الجواب: أنا الخادم المعترف بإنعام .. فكسر الألف من« أنا» و فتح النون و شدّدها .. فلمّا وقف عليه ابو نصر سرّ و علم أنّه قصد به قوله تعالى: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها! و الخفاجي نسبة الى خفاجة- بالفتح- حيّ من بني عامر.
( أسد الغابة: ج ١ ص ٣٥١).
فقالت الخنساء: ضعّفت افتخارك و أبرزته في ثمانية مواضع. قال: و كيف؟ قالت: قلت« لنا الجفنات» و الجفنات ما دون العشر، فقللت العدد، و لو قلت« الجفان» لكان أكثر. و قلت« الغرّ» و الغرة البياض في الجبهة و لو قلت« البيض» لكان أكثر اتساعا. و قلت« يلمعن» و اللمع شيء يأتي بعد الشيء، و لو قلت« يشرقن» لكان أكثر، لأنّ الإشراق أدوم في اللمعان. و قلت« بالضحى» و لو قلت« بالعشيّة» لكان أبلغ في المديح، لأنّ الضيف بالليل أكثر طروقا و قلت« أسيافنا» و الاسياف دون العشر، و لو قلت« سيوفنا» كان أكثر، و قلت« يقطرن»، فدللت على قلّة القتل، و لو قلت« يجرين» لكان أكثر، لانصباب الدم. و قلت« دما» و الدماء أكثر من الدم.
و فخرت بمن ولدت و لم تفتخر بمن ولدوك!( هامش إعجاز القرآن للرافعي: ص ٢٢٥).
[١] الربد- كصرد-: الفرند. و الخشيب: الصقيل. و يروى مكان البهاء: الهباء، و هو ما يظهر على السيف.
الجوهر من غبار.
[٢] سيرة ابن هشام: ج ١ ص ١٨٣.