التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٠ - مقارنة عابرة
الأمر الذي تحاشا عنه القرآن الكريم، في حين كثرة تعرّضه لمواقع النجوم ...
و هذا أيضا شاهد صدق من آلاف الشواهد على امتياز القرآن عن سائر الكلام و ارتفاعه عن نمط كلام العرب الأوائل و الأواخر جميعا.
و ذكر ابن الأثير للاعتراض ضروبا ثلاثة:
أحدها: أن تكون فيه فائدة و الغالب هو توكيد الكلام و ترصينه. و قد ورد في القرآن كثيرا، و ذلك في كلّ مورد يتعلّق بنوع من خصوصيّته المبالغة في المعنى المقصود. من ذلك قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ[١]. و ذلك اعتراض بين القسم و جوابه. و في نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف و صفته و هو قوله لَوْ تَعْلَمُونَ.
فذانك اعتراضان كما ترى.
و مثله قوله تعالى: وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ[٢].
و هكذا غيرهما من آيات كثيرة في القرآن، كلّها من القسم المفيد فائدة التوكيد. و الضرب الثاني: ما لا فائدة فيه كما لا مفسدة فيه أيضا. من ذلك قول النابغة:
|
يقول رجال يجهلون خليقتي |
لعلّ زيادا- لا أبا لك- غافل[٣] |
|
فقوله «لا أبا لك» ممّا لا فائدة فيه و لا حسن و لا قبح.
و هكذا قول زهير:
|
سئمت تكاليف الحياة و من يعش |
ثمانين حولا- لا أبا لك- يسأم |
|
لكن وردت هذه اللفظة في قول أبي همام حسنة:
«عتابك عنّي- لا أبا لك- و اقصدي».
فإنّه لمّا كره عتابها اعترض بين الأمر و المعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذمّ.
[١] الواقعة: ٧٥- ٧٧.
[٢] النحل: ٥٧.
[٣] الخليفة: السجيّة.