التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٩ - مقارنة عابرة
و كذلك في كثير من أشعاره نقد كثير، ذكره أهل الصناعة عرضا و في طيّ كلامهم عن نكات و دقائق شعريّة أو أدبيّة، و ربّما أتوا بشعر امرئ القيس و اضرا به مثلا، و لو أرادوه غرضا لأصابوا منه الكثير في الكثير ... هذه حالة ألمع شعراء الجاهلية و عظيم العرب فصاحة و بيانا ... ضربناه لك مثلا، و عليه فقس من سواه ...
أمّا القرآن الكريم فقد مضت عليه قرون متطاولة، و حاولت خصومه الكثير النيل منه بشتى الوسائل و الحيل، فهل ساعدهم التوفيق أم باءوا بالخيبة و الفشل صاغرين، و أصبحوا العوبة إخوانهم الشياطين و اضحوكة الإنس و الجنّ أجمعين.! هذا ... و قد تحمّس صاحب الدراسات[١] لهكذا أشعار ساقطة و تافهة في نفس الوقت و قد أخذته الحميّة الجاهليّة الأولى، فقام مدافعا عن موقف شاعر مستهتر خليع قضى حياته الكدرة في البذخ و الترف و الابتذال الشنئ ...
إنّه صوّر من امرئ القيس شخصيّة تأريخية لامعة، قد حشّد في معلّقته الحياة العربيّة كلّها، ما تراه العين، و ما ينبض به القلب، و ما تقلّه الأرض، و ما تسوقه السماء .. و في معلّقته مشاهد للحياة، كأنّك في مركب من مراكب الفضاء تطوف في الدنيا في مشارق الأرض و مغاربها في لحظات! قال: و أقف لك عند مشهد صغير من تلك المشاهد التي تحفل بها هذه المعلّقة. في هذا المشهد يحدّث امرؤ القيس عن نفسه، حين وقف على أطلال الديار التي كانت يوما ما تضمّ محبوبته فهاج ذلك ذكريّات كثيرة عنده، كان أشدّها يوم ارتحلت مع قومها و هم يرتحلون، فوقف كما يقف المرء على ميّت عزيز له، يقول:
[١] عبد الكريم الخطيب في كتابه( الإعجاز في دراسات السابقين): ص ١٣٠ فما بعد.