التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٧ - سويد بن الصامت الشاعر
فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر، على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط و اجتمع إليهما رجال ممّن أسلم.
و كان سعد بن معاذ، و أسيد بن حضير، يومئذ سيّدي قومهما من بني عبد الأشهل، و كلاهما مشرك على دين قومه. فلمّا سمعا به قال سعد لأسيد:
لا أبا لك، انطلق الى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما و انههما عن أن يأتيا دارينا، فإنّه لو لا أنّ أسعد منّي حيث عرفت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي و لا أجد عليه مقدما.
فأخذ اسيد حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد، قال لمصعب بن عمير: هذا سيّد قومه قد جاءك فاصدق اللّه فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلّمه .. فوقف اسيد عليهما مشتّما، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت قبلته، و إن كرهته كفّ عنك ما تكره! قال: أنصفت، ثم ركز حربته و جلس إليهما.
فكلّمه مصعب بالإسلام، و قرأ عليه القرآن.
قالا (أي أسعد بن زرارة و مصعب بن عمير): فو اللّه لقد عرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلّم، في إشراقه و تسهّله! ثمّ قال اسيد: ما أحسن هذا الكلام و أجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
قالا له تغتسل فتطهر و تطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلي، ففعل و ركع ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه، و سأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ ...
ثم أخذ اسيد بن حضير حربته و انصرف الى سعد و قومه و هم جلوس في ناديهم، فلمّا نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال: أحلف باللّه لقد جاءكم أسيد