التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - انيس بن جنادة
عليه و آله) يقرأها عليه، و هو منصت لها.
قال: و كان عتبة ينصت لقراءته (صلى اللّه عليه و آله) و قد ألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الى السجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت؟ فأنت و ذاك!
فقام عتبة الى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلمّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
قال: ورائي أنّي قد سمعت قولا و اللّه ما سمعت مثله قطّ، و اللّه ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا بالكهانة! يا معشر قريش، أطيعوني و اجعلوها بي، و خلّوا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه فاعتزلوه فو اللّه ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، و إن يظهر على العرب فملكه ملككم و عزّه عزّكم، و كنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك و اللّه يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم[١].
و هي أيضا شهادة ضافية من كبار قريش و زعماء العرب و سادتهم.
انيس بن جنادة:
هو أخو أبي ذر الغفاري، كان أكبر منه، و كان شاعرا معارضا يفوق أقرانه عند المعارضة. ينبئك عن ذلك حديث إسلام أخيه أبي ذر جندب بن جنادة، قال: و اللّه ما سمعت بأشعر (أي أكثر شعرا و أحسن نظما) من أخي انيس، لقد ناقض (أي عارض) اثني عشر شاعرا من معاريف شعراء الجاهلية، فغلبهم، و كان قاصدا مكة فقلت له: فليستخبر من حال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
[١] سيرة ابن هشام: ج ١ ص ٣١٣- ٣١٤.