التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٧ - ٣ - إنما يعرف ذا الفضل من العلم ذووه
٣- إنّما يعرف ذا الفضل من العلم ذووه:
ليست معجزة نبيّ الإسلام (صلى اللّه عليه و آله) بدعا من معاجز سائر الأنبياء (عليهم السلام) إذ كان نبهاء الأمم و أصحاب الاختصاص هم الذين كانوا يلمسون واقع الإعجاز. و امتياز المعجز عن الممكن- فيما يقدّمه الأنبياء- إنّما يعرفه أفذاذ الناس .. كانت سحرة فرعون هم الذين لمسوا الحقّ في العصا و اليد البيضاء فآمنوا به و تبعهم الآخرون و هكذا. فكان سبيل القرآن- و هو أرقّ المعاجز و أرقاها- سبيل سائر المعاجز يعرفه ذوو الاختصاص من أهل الفنّ، و الأذكياء من العلماء، و من ثمّ فإنّهم هم المراجع في وضح الحقّ و دحض الأباطيل فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[١].
|
ما الفضل إلّا لأهل العلم أنّهم |
على الهدى لمن استهدى أدلاء |
|
و من ثم كانت شهادات أفذاذ العرب الأقحاح، هو القول الفصل، بشأن القرآن الكريم و أنّها ميزة خارقة فاق بها سائر الكلام.
تلك شهادة طاغية العرب و عظيمها الوليد بن المغيرة: «يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة، فو اللّه ما هو بشعر و لا بسحر .. و إنّ قوله لمن كلام اللّه ..»[٢].
و أيضا قوله: «و اللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجنّ. و اللّه إنّ له لحلاوة، و إنّ عليه لطلاوة ... و إنّه يعلو و ما يعلى. و إنّه ليحطّم ما تحته ..»[٣].
و شهادات فصحاء العرب و سادات قريش من هذا القبيل كثيرة، كلّها تنمّ عن واقعيّة فخيمة لمسها اولئك الخواصّ، فسار من ورائهم العوامّ ..
ذكروا أنّ فصحاء قريش أزمعت على معارضة القرآن، فجمعت لها جمعا، حتى إذا ما نزلت
[١] النحل: ٤٣.
[٢] تفسير الطبري: ج ٢٩ ص ٩٨.
[٣] مستدرك الحاكم: ج ٢ ص ٥٠٧.