التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٦ - مذهب الشريف المرتضى
هو أنّه إذا ثبت في فصيح كلامهم ما يقارب كثيرا من القرآن، و النظم لا يصحّ فيه التزايد و التفاضل، بدلالة أنه يشترك الشاعران في نظم واحد. لا يزيد أحدهما على صاحبه، و إن تباينت فصاحتهما.
و إذا لم يدخل النظم تفاضل، لم يبق إلّا أن يقال: الفضل في السبق إليه، و ذلك يقتضي أن يكون من سبق الى ابتداء الشعر و وزن من أوزانه أتى بمعجز، و ذلك باطل. و لا يتعذّر نظم مخصوص بمجرى العادة على من يتمكّن من نظوم غيره، و لا يحتاج في ذلك الى زيادة علم كما يقول في الفصاحة. فمن قدر على البسيط يقدر على الطويل و غيره، و لو كان على سبيل الاحتذاء، و إن خلا كلامه من فصاحة. فعلم بذلك أن النظم لا يقع فيه تفاضل.
ثم أورد الاعتراضات على ذلك من وجوه:
أحدها: أنهم قالوا: يخرج قولكم هذا القرآن من كونه معجزا على ذلك، لأنّ على هذا المذهب، المعجز هو الصرف، و ذلك خلاف إجماع المسلمين.
الجواب: أنّ هذه مسألة خلاف، لا يجوز أن يدّعى فيها الإجماع. على أنّ معنى قولنا «معجز» في العرف بخلاف ما في اللغة، و المراد به في العرف: ما له حظّ في الدلالة على صدق من ظهر على يده.
و القرآن بهذه الصفة عند من قال بالصرفة، فجاز أن يوصف بأنّه معجز. و إنّما ينكر العوام أن يقال: القرآن ليس بمعجز، متى اريد به أنّه غير دالّ على النبوّة، و أنّ العباد يقدرون عليه. و أمّا أنه معجز بمعنى أنّه خارق للعادة بنفسه، و بما يسند إليه، فموقوف على العلماء المبرّزين.
على أنّه يلزم من جعل جهة إعجاز القرآن الفصاحة، الشناعة، لأنّهم يقولون: إنّ من قدر على الكلام من العرب و العجم يقدرون على مثل القرآن، و إنّما ليست له علوم بمثل فصاحته.
الثاني: إذا كان الصرف، هو المعجز، فلم لم يجعل القرآن من أركّ الكلام