التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٥ - مذهب الشريف المرتضى
قصار السور و بين أفصح شعر العرب، و لا يظهر لنا التفاوت بين الكلامين، الظهور الذي قدّمناه، فلم حصل الفرق القليل، و لم يحصل الكثير؟! و لم ارتفع اللبس مع التقارب و لم يرتفع مع التفاوت؟! قال: و الاعتراضات على ذلك كثيرة، منها:
قولهم: أنّ الفرق بين أفصح كلام العرب و بين القرآن موقوف على متقدّمي الفصحاء الذين تحدّوا به.
و الجواب: أنّ ذلك لو وقف عليهم مع التفاوت العظيم، لوقف ما دونه أيضا عليهم، و قد علمنا خلافه.
فأمّا من ينكر الفرق بين أشعار الجاهليّة و المحدثين، فإن أشار بذلك الى عوّام الناس و الأعاجم فلا ينكر ذلك، و إن أشار الى الذين عرفوا الفصاحة، فإنّه لا يخفى عليهم.
فإن قالوا: الصرف عمّا ذا وقع؟
قلنا: الصرف وقع أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته، و طريقة نظمه، بأن سلب كلّ من رام المعارضة التي يتأتى بها ذلك. فإنّ العلوم التي يتمكّن بها من ذلك ضروريّة من فعل اللّه تعالى بمجرى العادة، و على هذا لو عارضوه بشعر منظوم، لم يكونوا معارضين.
يدلّ عليه أنّه (صلى اللّه عليه و آله) أطلق التحدّي و أرسله، فوجب أن يكون إنّما أطلق تعويلا على ما تعارفوه في تحدّي بعضهم بعضا، فإنّهم اعتادوا ذلك بالفصاحة و طريقة النظم، و لهذا لم يتحدّ الخطيب الشاعر و لا الشاعر الخطيب، و لو شكّوا في مراده لاستفهموه، فلمّا لم يستفهموه دلّ على أنّهم فهموا غرضه، و لو لم يفهموه لعارضوه بالشعر الذي له فصاحة كثيرة من القرآن، و اختصاص القرآن بنظم مخالف لسائر النظم يعلم ضرورة.
ثم عاد الى الاستدلال، قائلا: و الذي يدلّ على أنّه لو لا الصرف لعارضوه،