التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٠ - كلام ابن سنان الخفاجي
و أمّا قوله: «إن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا و غيره في الطبقة السفلى»- و هو يعني بذلك جميع كلام العرب- فليس الأمر على ذلك، و لا فرق بين القرآن و بين فصيح الكلام المختار في هذه القضيّة. و متى رجع الإنسان إلى نفسه و كان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار، وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه. و لعلّ أبا الحسن (الرمّاني) يتخيّل أنّ الإعجاز في القرآن لا يتمّ إلّا بمثل هذه الدعوى الفاسدة، و الأمر- بحمد اللّه- أظهر من أن يعضّده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كلّ من شدا من الأدب شيئا[١] أو عرف من نقد الكلام طرفا.
قال: و إذا عدنا الى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته، بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكّنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك، و إذا كان الأمر على هذا فنحن بمعزل عن ادعاء ما ذهب إليه (أي الرمّاني) من أنّ بين تأليف حروف القرآن و بين غيره من كلام العرب كما بين المتنافر و المتلائم. ثم لو ذهبنا الى أنّ وجه إعجاز القرآن الفصاحة، و ادّعينا أنّه أفصح من جميع كلام العرب، بدرجة ما بين المعجز و الممكن، لم يفتقر في ذلك الى ادّعاء ما قاله من مخالفة تأليف حروفه لتأليف الحروف الواقعة في الفصيح من كلام العرب، و ذلك أنّه لم يكن بنفس هذا التأليف فقط فصيحا، و إنّما الفصاحة لأمور عدّة تقع في الكلام، من جملتها التلاؤم في الحروف و غيره، و قد بيّنا بعضها و سنذكر الباقي، فلم ينكر على هذا أن يكون تأليف الحروف في القرآن و فصيح كلام العرب واحدا؟ و يكون القرآن في الطبقة العليا، لما ضامّ تأليف حروفه من شروط الفصاحة التي التأليف جزء يسير منها.
فقد بأن أنّ على كلا القولين لا حاجة بنا الى ادّعاء ما ادّعاه، مع وضوح بطلانه و عدم الشبهة فيه.
[١] يقال: شدا من العلم شيئا أي أخذ منه.