التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٨ - مقالة ابن حزم الظاهري
و بين ذلك، كمن قال: إنّ آية النبوة أنّ اللّه تعالى يطلقني على المشي في هذه الطريق الواضحة، ثم لا يمشي فيها أحد غيري أبدا، أو مدّة يسمّيها .. فهذا أعظم ما يكون من الآيات ... و الذي عجز عنه أهل الأرض مذ اربعمائة عام و أربعين عاما (٤٤٠) هي سنة تأليفه للكتاب[١].
و قد سخر الرافعي من كلام ابن حزم هذا، قائلا: لم نر أحدا فسّر هذه الكلمة (الصرفة) كابن حزم الظاهري، و ذلك قوله: «لم يقل أحد أنّ كلام غير اللّه معجز، لكن لما قاله اللّه تعالى و جعله كلاما له، أصاره معجزا و منع من مماثلته ... قال: و هذا برهان كاف لا يحتاج الى غيره» نقول: بل هو فوق الكفاية، و أكثر من أن يكون كافيا أيضا، لأنّه لمّا قاله ابن حزم و جعله رأيا له، أصاره كافيا لا يحتاج الى غيره ...![٢].
قلت: هو كذلك ما دام الرجل متزمّتا هذا التزمّت المفضوح، إذ لم يكتف بالتزامه بمبدإ الجبر حتى سلب القرآن كلّ مميّزاته الجوهريّة و خلعه من جميع صفاته و نعوته الكريمة! يا له من تقشّب و جمود! و قد تحمّس الشيخ علي محمد حسن العماري (مبعوث الأزهر في السودان) لدلائل ابن حزم فظنّها متوفّرة و كثيرة لم يهتد إليها الرافعي أو لخصها تلخيصا هو أقرب الى المسخ. قال: نحن لا نقرّ الرافعي على هذا المسلك الذي سلكه، و على هذا التناول الذي تناول به كلام ابن حزم فإن الرجل أطال الكلام في تأييد مذهبه، و لو كان الرافعي منصفا لتناول أقوى ما في كلام ابن حزم و لم يأخذ بعض كلامه و يترك بعضا، على أنّه أخذ لا يقارع الحجّة بالحجّة، و لا يبسط المسألة كما ذكرها صاحبها، و إنّما يلخّصها تلخيصا هو أقرب الى المسخ ..[٣]
[١] المصدر: ص ٢١.
[٢] إعجاز القرآن: ص ١٤٦.
[٣] مجلة رسالة الإسلام: سنة ٤ عدد ١ ص ٧٠.