الجواهر السنية في الأحاديث القدسية - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٣٨٥ - الباب الحادي عشر فيما ورد بشأن سيدنا و نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله
يا أحمد، هل تعرف ما للزاهدين عندي؟ قال: لا يا ربّ، قال: يبعث الخلق و يناقشون للحساب و هم من ذلك آمنون. إنّ أدنى ما اعطي الزاهدين في الآخرة أن اعطيهم مفاتيح الجنان كلّها حتّى يفتحوا أيّ باب شاؤوا، و لا أحجب عنهم وجهي و لأنعمنّهم بألوان التلذّذ من كلامي و لأجلسنّهم في مقعد صدق و اذكرهم ما صنعوا و تعبوا في دار الدنيا، و افتح لهم أربعة أبواب: باب تدخل عليهم الهدايا بكرة و عشيا من عندي، و باب ينظرون منه إليّ كيف شاؤوا بلا صعوبة، و باب يطّلعون منه إلى النار فينظرون للظالمين كيف يعذّبون، و باب يدخل عليهم منه الوصائف و الحور العين.
قال: يا ربّ، من هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم؟ قال: الزاهد هو الذي ليس له بيت يخرب فيغتمّ لخرابه، و لا له ولد يموت فيحزن لموته، و لا له شيء يذهب فيحزن لذهابه، و لا يعرف إنسانا يشغله عن اللَّه طرفة عين. و لا له فضل طعام يسأل عنه و لا له ثوب ليّن.
يا أحمد، وجوه الزاهدين مصفرّة من تعب الليل و صوم النهار، و ألسنتهم كلال من ذكر اللَّه، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة ما يخالفون أهواءهم، قد ضمروا أنفسهم من كثرة صمتهم، قد أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوف نار و لا من شوق جنّة، و لكن ينظرون فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فيعلمون أنّ اللَّه سبحانه أهل للعبادة.
يا أحمد، هذه درجة الأنبياء و الصدّيقين من امّتك و امّة غيرك و أقوام من الشهداء. قال: يا ربّ، أيّ الزهّاد أكثر، زهّاد امّتي أم زهّاد بني إسرائيل؟ قال: إنّ زهّاد بني إسرائيل في زهّاد امّتك كشعرة سوداء في بقرة بيضاء. قال: يا ربّ، و كيف ذلك و عدد بني إسرائيل كثير؟ قال: لأنّهم شكّوا بعد اليقين و جحدوا بعد الإقرار.
قال النبيّ صلى اللَّه عليه و آله فحمدت اللَّه و شكرته و دعوت لهم بالحفظ و الرحمة و سائر الخيرات.