الجواهر السنية في الأحاديث القدسية - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٣٨٤ - الباب الحادي عشر فيما ورد بشأن سيدنا و نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله
الشيطان، و مثل النفس كمثل النعامة تأكل الكثير و إذا حمل عليها لا تطير. و مثل الدفليّ لونه حسن و طعمه مرّ.
يا أحمد، ابغض الدنيا و أهلها و أحبّ الآخرة و أهلها، قال: يا ربّ، و من أهل الدنيا و أهل الآخرة؟ قال: أهل الدنيا من كثر أكله و ضحكه و نومه و غضبه، قليل الرضا، لا يعتذر إلى من أساء إليه، و لا يقبل معذرة من اعتذر إليه، كسلان عند الطاعة، شجاع عند المعصية، أمله بعيد، و أجله قريب، لا يحاسب نفسه، قليل المنفعة، كثير الكلام، قليل الخوف، كثير الفرح عند الطعام. و أنّ أهل الدنيا لا يشكرون عند الرخاء، و لا يصبرون عند البلاء، كثير الناس عندهم قليل، يحمدون أنفسهم بما لا يفعلون، و يدعون بما ليس لهم، و يذكرون مساوئ الناس. قال: يا ربّ هل يكون سوى هذا العيب في أهل الدنيا حمد؟ قال:
يا أحمد، إنّ عيب أهل الدنيا كثير، فيهم الجهل و الحمق، لا يتواضعون لمن يتعلّمون منه، و هم عند أنفسهم عقلاء و عند العارفين حمقاء.
يا أحمد، إنّ أهل الآخرة رقيقة وجوههم، كثير حياؤهم، قليل حمقهم، كثير نفعهم، قليل مكرهم، الناس منهم في راحة، و أنفسهم منهم في تعب، كلامهم موزون، محاسبون لأنفسهم يتعبون لها، تنام أعينهم و لا تنام قلوبهم، أعينهم باكية و قلوبهم ذاكرة، إذا كتب الناس من الغافلين كتبوا من الذاكرين. في أوّل النعمة يحمدون و في آخرها يشكرون، دعاؤهم عند اللَّه مرفوع و كلامهم مسموع، تفرح الملائكة بهم يدور دعاؤهم تحت الحجب، يحبّ الربّ أن يسمع كلامهم كما تحبّ الوالدة ولدها، و لا يشتغلون عنه طرفة عين، و لا يريدون كثرة الطعام و لا كثرة الكلام و لا كثرة اللباس، الناس عندهم موتى، و اللَّه عندهم حيّ كريم لا يموت، يدعون المدبرين كرما و يزيدون المقبلين تلطّفا، قد صارت الدنيا و الآخرة عندهم واحدة.