الجواهر السنية في الأحاديث القدسية - الشيخ حرّ العاملي - الصفحة ٣٢ - الباب الثاني فيما ورد في شأن نوح عليه السلام
أثمرت الفرج و الخلاص فبشّر بذلك من معك من المؤمنين.
فلمّا نبتت الأشجار و تأزّرت و تسوّقت و زهى الثمر عليها بعد زمان طويل استنجز من اللَّه العدّة، فأمره أن يغرس من نوى تلك الأشجار و يعاود الصبر و الاجتهاد، و يؤكّد الحجّة على قومه، و أخبر به الطوائف التي آمنت به فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل، و قالوا: لو كان ما يقوله نوح حقّا لما وقع في وعد ربّه خلف.
ثمّ إنّه لم يزل يأمره كلّ مرّة أن يغرس تارة بعد اخرى إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين، يرتدّ منهم طائفة بعد اخرى إلى أن عادوا إلى نيّف و سبعين رجلا، فأوحى اللَّه عزّ و جلّ إليه و قال: يا نوح، الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك، و صرح الحقّ عن محضه، و صفا الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة، فلو أنّي أهلكت الكفّار و أبقيت من ارتدّ من الطوائف التي قد كانت آمنت بك لما كنت صدّقت وعدي السابق للمؤمنين الذين اخلصوا التوحيد من قومك، و اعتصموا بحبل نبوّتك بأن أستخلفهم في الأرض، و أمكّن لهم دينهم، و ابدّل خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشرك من قلوبهم.
فكيف يمكن الاستخلاف و التمكين و بذل الأمن لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدّوا، و خبث طينهم، و سوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق، و سنوخ الضلالة، فلو أنّهم يئسوا من الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا هلكت أعداؤهم [لنشقوا] روائح صفاته لاستحكمت مرائر نفاقهم، و تأبّدت حبال ضلالة قلوبهم، و لكاشفوا إخوانهم بالعداوة، و حاربوهم على طلب الرئاسة، و التفرّد بالأمر و النهي، و كيف يكون التمكين في الدين، و انتشار الأمن في المؤمنين مع إثارة الفتن و ايقاع الحروب؟ كلّا، فاصنع الفلك بأعيننا و وحينا.