المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٣٣٠ - التعليق
و الآن بعد بيان بطلان ما ذهبوا إليه من دعوى المجاز. أتعرض لادعاء آخر من ادعاءاتهم حيث عمدوا إلى بعض آيات من القرآن الكريم مدعين أن فيها دلالة على صحة مذهبهم القائل: بأن اللّه جل و علا بذاته فى كل مكان و من تلك الآيات قول اللّه جل و علا: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ[١]. الآية. و قد أجمع المفسرون و علماء الأمة[٢] قاطبة على أن المقصود بذلك أنه معهم بعلمه لا بذاته. و قد بين الإمام أحمد ذلك كما مر فى نقضه على الجهمية. و قد نقل الإجماع على هذا ابن عبد البر حيث يقول: أجمع علماء الصحابة و التابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا فى تأويل قوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ هو على العرش و علمه فى كل مكان، و ما خالفهم فى ذلك من يحتج بقوله[٣]. اه.
يقول عثمان بن سعيد الدارمى بعد أن ذكر احتجاج هؤلاء بها: إنما يعنى أنه حاضر كل نجوى، و مع كل أحد من فوق العرش بعلمه، لأن علمه بهم محيط، و بصره فيهم نافذ، لا يحجبه شيء عن علمه و بصره، و لا يتوارون منه بشيء و هو بكماله فوق العرش بائن من خلقه يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى[٤] أقرب إلى أحدهم من فوق العرش من حبل الوريد قادر على أن يكون له ذلك لأنه لا يبعد عنه شيء و لا تخفى عليه خافية، فى السموات و لا فى الأرض فهو كذلك رابعهم و خامسهم و سادسهم، لا أنه معهم بنفسه فى الأرض كما ادعيتم. و كذلك فسره العلماء[٥]. اه.
و من الآيات التى احتجوا بها أيضا قول اللّه جل و علا: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى[٦] و قوله سبحانه و تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ
[١] - سورة المجادلة/ ٧.
[٢] - ممن يعتد بهم.
[٣] - مجموع الفتاوى ٥/ ٨٧. و انظر: نفس المصدر ٥/ ٤٩٥- ٤٩٦.
[٤] - سورة طه/ ٧.
[٥] - الرد على الجهمية ص: ٢٦٨- ٢٦٩ ضمن عقائد السلف.
[٦] - سورة طه/ ٤٦.