المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٦٦ - التعليق
الّذي هو جزء من اللفظ أو اسمه إذا لم يوجد إلا حرف، و لكن هذا المطلق بل الأعيان الموجودة فى الخارج قائمة بأنفسها، كالإنسان لا يوجد مجردا عن الأعيان فى الأعيان، لا يوجد مجردا عن الأعيان إلا فى الذهن، لا فى الخارج، فكيف بالحرف الّذي لا يوجد فى الخارج إلا مؤلفا، فلو قدر أنه يوجد فى الخارج غير مؤلف متعدد الأعيان كما يوجد الإنسان لم تكن حقيقته مطلقة من حيث هى هى موجودة إلا فى الأذهان لا فى الأعيان.
فتبين أن الحروف تختلف أحكامها باختلاف معانيها و اختلاف المتكلم بها، و هذا أوجب تعظيم حروف القرآن المنطوقة و المسطورة و كان لها من الأحكام الشرعية ما امتازت به عما سواها، و اختلاف الأحكام إنما كان لاختلاف صفاتها و أحوالها.
فتبين أن الواجب أن يقال ما قاله الأئمة كأحمد و غيره: أن كلام الإنسان كله مخلوق حروفه و معانيه، و القرآن غير مخلوق حروفه و معانيه. و قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «يقول اللّه: أنا الرحمن خلقت الرحم و شققت لها من اسمى فمن وصلها وصلته و من قطعها بتته»[١] و قال الربيع بن أنس عن المسيح أنه قال: «عجبا لهم كيف يكفرون به و هم يتقلبون فى نعمائه و يتكلمون بأسمائه»[٢].
و ذكر فى معظم حروف المعجم أنها مبانى أسماء اللّه الحسنى، و كتبه المنزلة من السماء، و هذا مما يحتج به من قال: ليست مخلوقة، و ليس بحجة، فإن أسماء اللّه من كلامه و كلامه غير مخلوق، و ما اشتقه هو من أسمائه فتكلم به فكلامه به غير مخلوق و أما إذا اشتقوا اسما أحدثوه فذلك الاسم هم أحدثوه و لا يلزم إذا كان المشتق منه غير مخلوق، أن يكون المشتق كذلك. و ما يروى عن المسيح فلا يعرف ثبوته عنه، و بتقدير ثبوته فإذا كان قد ألهم عباده أن يتكلموا بالحروف التى هى مبانى أسمائه التى تكلم بها لم يلزم أن يكون ما أحدثوه هم غير مخلوق[٣].
[١] - انظر: فتح البارى ١٠/ ٤١٧؛ و صحيح مسلم ٤/ ١٩٨٠- ١٩٨١.
[٢] - و هذه الأخبار لا يجوز الاعتماد عليها، و هو ما سيبينه ابن تيمية.
[٣] - مجموع الفتاوى ١٢/ ٤٤١- ٤٥١.