المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٩٥ - و قد أجيب بجوابين
قلت: و مما احتج به هؤلاء أيضا قول اللّه تعالى: وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ[١].
و قد أجيب بجوابين:
الأول: أنهم قالوا بألسنتهم قولا خفيا.
و الثانى أنه قيده بالنفس فإن دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق. فالكلام المطلق يتناول اللفظ و المعنى جميعا.
و الجواب الثانى يجاب به أيضا على القول المأثور عن عمر[٢].
يقول شارح الطحاوية: و يرد قول من قال: بأن الكلام المعنى القائم بالنفس: قوله صلى اللّه عليه و سلم: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»[٣]، و قال: «إن اللّه يحدث من أمره ما يشاء، و إنما أحدث أن لا تكلموا فى الصلاة»[٤]. و اتفق العلماء على أن المصلى إذا تكلم فى الصلاة عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته. و اتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية و طلب- لا يبطل الصلاة و إنما يبطلها التكلم بذلك فعلم باتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. و أيضا فى الصحيحين عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن اللّه تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به»[٥] فقد أخبر أن اللّه عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس و بين الكلام، و أخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، و المراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق العلماء. فعلم أن هذا هو الكلام فى اللغة لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب ... فلفظ القول و الكلام و ما تصرف منهما من فعل ماضى و مضارع و أمر و اسم فاعل-: إنما يعرف فى القرآن و السنة
[١] - سورة المجادلة/ ٨.
[٢] - انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٥/ ٣٥.
[٣] - تقدم تخريجه. انظر: ص: ١٩٧، ٢٩٧.
[٤] - أخرجه أحمد ١/ ٤٠٩، ٤١٥، ٤٣٥، و أبو داود ١/ ٥٦٨، و النسائى ٣/ ١٩ و غيرهم. و علقه البخارى فى صحيحه. انظر: فتح البارى ١٣/ ٤٩٦.
[٥] - عند البخارى فى كتاب الأيمان و النذور، فتح البارى ١١/ ٥٤٨- ٥٤٩، و عند مسلم فى كتاب الإيمان. صحيح مسلم ١/ ١١٦.