المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ١٠٧ - التعليق
و منها: أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الّذي لا يستلزم عمله، فالعلم الّذي يعمل به صاحبه، أكمل من العلم الّذي لا يعمل به، و إذا كان شخصان يعلمان أن اللّه حق، و رسوله حق، و الجنة حق، و النار حق، و هذا علمه أوجب له محبة اللّه و خشيته و الرغبة فى الجنة، و الهرب من النار، و الآخر علمه لم يوجب ذلك، فعلم الأول أكمل، فإن قوة المسبب دالة على قوة السبب، و هذه الأمور نشأت عن العلم، فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه، و العلم بالمخوف، يستلزم الهرب منه، فإذا لم يحصل اللازم، دل على ضعف الملزوم و لهذا قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «ليس المخبر كالمعاين» فإن موسى لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه، ألقاها[١]، و ليس ذلك لشك موسى فى خبر اللّه، لكن المخبر و إن جزم بصدق المخبر، فقد لا يتصور المخبر به فى نفسه، كما يتصوره إذا عاينه، بل يكون قلبه مشغولا عن تصور المخبر به، و إن كان مصدقا به، و معلوم أن عند المعاينة، يحصل له من تصور المخبر به، ما لم يكن عند الخبر، فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق.
و منها: أن أعمال القلوب مثل محبة اللّه و رسوله، و خشية اللّه تعالى و رجائه، و نحو ذلك، هى كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب و السنة و اتفاق السلف، و هذه يتفاضل الناس فيها تفاضلا عظيما.
و منها: أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة، هى أيضا من الإيمان و الناس يتفاضلون فيها.
و منها: ذكر الإنسان بقلبه ما أمره اللّه به و استحضاره لذلك، بحيث لا يكون غافلا عنه، أكمل ممن صدق به و غفل عنه، فإن الغفلة تضاد كمال العلم و التصديق و الذكر، و الاستحضار يكمل العلم و اليقين. اه.
[١] - رواه الإمام أحمد: ١/ ٢١٥، ٢٧١