المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٧١ - التعليق
و الإقرار، و مراده بالإقرار الالتزام لا التصديق كما قال تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ[١] فالميثاق مأخوذ على أنهم يؤمنون به و ينصرونه، و قد أمروا بهذا، و ليس هذا الإقرار تصديقا فإن اللّه تعالى لم يخبرهم بخبره بل أوجب عليهم إذا جاءهم ذلك الرسول أن يؤمنوا به و ينصروه، فصدقوا بهذا الإقرار و التزموه، فهذا هو إقرارهم، و الإنسان قد يقر للرسول بمعنى أنه يلتزم ما يأمر به مع غير معرفة، و من غير تصديق له أنه رسول اللّه، لكن لم يقل أحد من المرجئة: إن هذا الإقرار يكون إيمانا، بل لا بدّ عندهم من الإقرار الخبرى و هو أنه يقر له بأنه رسول اللّه كما يقر المقر بما يقر به من الحقوق، و لفظ الإقرار يتناول الالتزام و التصديق، و لا بد منهما و قد يراد بالإقرار مجرد التصديق بدون التزام الطاعة، و المرجئة تارة يجعلون هذا هو الإيمان و تارة يجعلون الإيمان التصديق و الالتزام معا، هذا هو الإقرار الّذي يقوله فقهاء المرجئة: إنه إيمان، و إلا لو قال: أنا أطيعه و لا أصدق أنه رسول اللّه أو أصدقه و لا ألتزم طاعته لم يكن مسلما و لا مؤمنا عندهم.
و أحمد قال: لا بد مع هذا الإقرار أن يكون مصدقا، و أن يكون عارفا، و أن يكون مصدقا بما عرف، و فى رواية أخرى مصدقا بما أقر، و هذا يقتضي أنه لا بد من تصديق باطن، و يحتمل أن يكون لفظ التصديق عنده يتضمن القول و العمل جميعا، كما ذكرنا شواهده أنه يقال صدق بالقول و العمل فيكون تصديق القلب عنده يتضمن أنه مع معرفة قلبه أنه رسول اللّه قد خضع له و انقاد، فصدقه بقول قلبه و عمل قلبه محبة و تعظيما و إلا فمجرد معرفة القلب أنه رسول اللّه مع الإعراض عن الانقياد له ... فلا يكون إيمانا. و لا بد فى الإيمان من علم القلب و عمله، فأراد أحمد بالتصديق أنه مع المعرفة به صار القلب مصدقا له تابعا له محبا له معظما له، فإن هذا لا بد منه، و من دفع هذا أن يكون من الإيمان، فهو من جنس من دفع المعرفة من أن تكون من الإيمان. و هذا أشبه بأن يحمل عليه كلام أحمد،
[١] - سورة آل عمران/ ٨١.