المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢٩٩ - و قد أجيب بجوابين
شاء و لم يقل: لم يزل مكلما إذا شاء و المتعلق بالمشيئة- عند من يقول إنه قديم واجب- إنما هو التكليم الّذي هو فعل جائز لا التكلم فبين ذلك أن أحمد- رضى اللّه عنه- قال فى الموضع الآخر: لم يزل اللّه متكلما عالما غفورا. فذكر الصفات الثلاث: الصفة التى هى قديمة واجبة و هى العلم، و التى هى جائزة متعلقة بالمشيئة و هى المغفرة. فهذان متفق عليهما.
و ذكر أيضا التكلم، و هو القسم الثالث: الّذي فيه نزاع، و هو يشبه العلم من حيث هو وصف قائم به، لا يتعلق بالمخلوق، و يشبه المغفرة من حيث هو متعلق بمشيئته كما فسره فى الموضع الآخر.
فعلم أن قدمه عنده: أنه لم يزل إذا شاء تكلم، و إذا شاء سكت لم يتجدد له وصف القدرة على الكلام التى هى صفة كمال، كما لم يتجدد له وصف القدرة على المغفرة و إن كان الكمال هو أن يتكلم إذا شاء، و يسكت إذا شاء.
و أما قول القاضى: إن هذا قول بحدوثه فيجيبون عنه بجوابين:
أحدهما: ألا يسمى محدثا أن يسمى حديثا، إذ المحدث هو المخلوق المنفصل و أما الحديث فقد سماه اللّه حديثا و هذا قول الكرامية و أكثر أهل الحديث.
الثانى: أنه يسمى محدثا كما فى قوله: مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ و ليس بمخلوق. و هذا قول كثير من الفقهاء و أهل الحديث و الكلام. لكن المنقول عن أحمد إنكار ذلك ... و الإطلاقات قد توهم خلاف المقصود فيقال:
إن أردت بقولك محدث أنه مخلوق منفصل عن اللّه. كما يقوله الجهمية و المعتزلة و النجارية- فهذا باطل لا نقوله. و إن أردت بقولك: أنه كلام تكلم اللّه به بمشيئته، بعد أن لم يتكلم به بعينه- و إن كان قد تكلم بغيره قبل ذلك مع أنه لم يزل متكلما إذا شاء فإنا نقول بذلك. و هو الّذي دل عليه الكتاب و السنة و هو قول السلف[١] اه.
و الأدلة على أن اللّه عز و جل يتكلم متى شاء و أن الكلام متعلق بمشيئته كثيرة.
[١] - مجموع الفتاوى ٦/ ١٥٩- ١٦١.