المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٣٢٩ - التعليق
الثانى عشر: أنه لو كانت فوقيته سبحانه مجازا لا حقيقة لها لم يتصرف فى أنواعها و أقسامها و لوازمها و لم يتوسع فيها غاية التوسع فإن فوقية الرتبة و الفضيلة لا يتصرف فى تنويعها إلا بما شاكل معناها نحو قولنا: هذا خير من هذا و أفضل و أجل و أعلى قيمة و نحو ذلك، و أما فوقية الذات فإنها تتنوع بحسب معناها فيقال فيها: استوى و علا و ارتفع و صعد و يعرج إليه كذا و يصعد إليه و ينزل من عنده، و هو عال على كذا و رفيع الدرجات، و ترفع إليه الأيدى ... و أنه يطلع على عباده من فوق سبع سماواته و أن عباده يخافونه من فوقهم و أنه ينزل إلى السماء الدنيا، و أنه يبرم القضاء من فوق عرشه ... و أن عباده المؤمنين إذا نظروا إليه فى الجنة رفعوا رءوسهم. فهذه لوازم الأنواع كلها أنواع فوقية الذات و لوازمها لا أنواع فوقية الفضيلة و المرتبة فتأمل هذا الوجه حق التأمل تعلم أن القوم أفسدوا اللغة و الفطرة و العقل و الشرع.
الثالث عشر: أنه لو كانت فوقية الرب تبارك و تعالى مجازا لا حقيقة لها لكان صدق نفيها أصح من صدق إطلاقها، ألا ترى أن صحة نفى اسم الأسد عن الرجل الشجاع ... و نحو ذلك أظهر و أصدق من إطلاق تلك الأسماء فلو كانت فوقيته و استواؤه و كلامه و سمعه و بصره و وجهه و محبته و رضاه و غضبه مجازا لكان إطلاق القول بأنه ليس فوق العرش و لا استوى عليه و لا هو العلى و لا الرفيع و لا هو فى السماء و لا ينزل من عنده شيء و لا يصعد إليه شيء و لا تكلم و لا أمر و لا نهى و لا يسمع و لا يبصر و لا له وجه و لا رحمة و لا يرضى و لا يغضب أصح من إطلاق ذلك و أدنى الأحوال أن يصح النفى كما يصح الإطلاق المجازى. و معلوم قطعا أن إطلاق هذا النفى تكذيب صريح للّه و لرسوله. و لو كانت هذه الإطلاقات إنما هى على سبيل المجاز لم يكن فى نفيها محذور لا سيما و نفيها عين التنزيه و التعظيم و سوغ إطلاق المجاز للوهم الباطل بل الكفر و التشبيه و التجسيم.
هذه بعض الأوجه التى ذكرها ابن القيم و التى بلغت سبعة عشر وجها و قد ذكرت بعضها باختصار[١].
[١] - انظر: مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٢٠٥- ٢١٧.