المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ١٣٠ - التعليق
و هذا هو مذهب السلف فى التسمية و الحكم. و هذا ما كان عليه صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى أن ظهر الخوارج و أظهروا معهم معتقداتهم الفاسدة التى منها تكفير مرتكب الكبيرة[١]- و هو قول جمهورهم- و منهم من يكفر بالذنوب عامة صغيرها و كبيرها[٢] مع الإصرار عليها و على النقيض من ذلك ما قاله غلاة المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة فأسبغوا على الفاسق المنحرف اسم الإيمان المطلق.
و نتيجة لهذا الوضع المتناقض ظهر المعتزلة و لم يذهبوا بعيدا عن الخوارج فى مرتكب الكبيرة، فوافقوهم فى الحكم و خالفوهم فى التسمية فقالوا: هو فى منزلة بين المنزلتين بين الكفر و الإيمان لا مؤمن و لا كافر و كان هدفهم من وراء ذلك معاملتهم فى الدنيا معاملة المسلمين فى النكاح و الميراث و نحو هذا بخلاف الخوارج الذين كفروه كفرا ينقله عن الملة و جعله معظمهم مباح الدم و المال و العرض.
و السلف رحمهم اللّه وفقهم اللّه عز و جل إلى الصواب- فى هذه القضية العقدية الخطيرة- فكان قولهم وسطا بين المرجئة من جهة و الخوارج و المعتزلة من جهة أخرى فهم لم يصفوا الفاسق بالإيمان المطلق، لأن هذا الوصف يترتب عليه دخول صاحبه الجنة و نجاته من النار، و الفاسق مستحق للوعد بما معه من إيمان و للوعيد لما اقترفه من المعاصى أو لما ترك من الواجبات قال جل ذكره إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[٣] و الفاسق يخاطب باسم الإيمان أو الإسلام و يعامل معاملة المسلمين. لذلك قالوا:
هو من حيث التسمية مؤمن ناقص الإيمان و بعضهم يقول: مؤمن بإيمانه فاسق
[١] - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: و قد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر و أما الأعمال الأربعة فاختلفوا فى تكفير تاركها، و نحن إذا قلنا أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد المعاصى كالزنا و الشرب، و أما هذه المبانى ففى تكفير تاركها نزاع مشهور. ا ه.
الإيمان ص: ٣٨٧. و قد ساق ابن تيمية بعض الروايات عن أحمد فى ذلك و سأذكرها جميعها عند الكلام عن قول الإمام أحمد فى تارك الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج ص: ٢/ ٣٤- ٥٢.
[٢] - انظر: الخلاف فى ضابط الكبيرة و الصغيرة: مسلم بشرح النووى: ٢/ ٨٤- ٨٧، شرح العقيدة الطحاوية ص: ٤١٦- ٤١٩. مجموع الفتاوى لابن تيمية: ١١/ ٦٥٠- ٦٦٠.
[٣] - سورة النساء/ ٤٨، ١١٦.