المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ١٦٠ - التعليق
فهذه الآيات و غيرها توضح أن العباد مختارون و أن أعمالهم واقعة بمشيئتهم، و إن كانت هذه المشيئة غير خارجة عن مشيئة اللّه جل و علا كما سبق إيضاحه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية فى معرض كلامه عن القدرية و الجبرية: «قسم يجعلون أنفسهم هى الخالقة المحدثة للحسنات و السيئات، و أن نعمة اللّه الدينية على المؤمن و الكافر سواء و أنه لم يعط العبد إلا قدرة واحدة تصلح للضدين و ليس بيد اللّه هداية خص بها المؤمن، أو تطلب منه بقول العبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ[١] و أنه لا يقدر على هداية ضال، و لا إضلال مهتد، فهؤلاء القدرية المجوسية.
و قسم: يسلبون العبد اختياره و قدرته، و يجعلونه مجبورا على حركاته من جنس حركة الجمادات، و يجعلون أفعاله الاختيارية و الاضطرارية من نمط واحد يقول أحدهم: إن جميع ما أمر اللّه به و رسوله فإنما هو أمر بما لا يقدر عليه، و لا يطيقه، فيسلبونه القدرة مطلقا، إذ لا يثبتون له إلا قدرة واحدة مقارنة بالفعل و لا يجعلون للعاصى قدرة أصلا.
فهذه المقالات و أمثالها من مقالات الجبرية و القدرية الذين أنكر قولهم- كما أنكروا قولهم الأولون- أئمة الهدى مثل عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعى، و سفيان ابن سعيد الثورى، و محمد بن الوليد الزبيدى، و عبد الرحمن بن مهدى و أحمد ابن محمد بن حنبل و غيرهم فإن ضموا إلى ذلك إقامة العذر للعصاة بالقدر و قالوا: إنهم معذورون لذلك لا يستحقون اللوم و العذاب، أو جعلوا عقوبتهم ظلما، فهؤلاء كفار، كما أن من أنكر علم اللّه القديم من غلاة القدرية فهو كافر.
و إن جعلوا ثبوت القدر موجبا لسقوط الأمر و النهى و الوعد و الوعيد كفعل المباحية، فهؤلاء أكفر من اليهود و النصارى من جنس المشركين الذين قالوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ
[١] - سورة الفاتحة/ ٦.