المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ١٦١ - التعليق
أَجْمَعِينَ[١] فإن هذا القول يستلزم طى بساط كل أمر و نهى و هذا مما يعلم بالاضطرار من العقل و الدين أنه يوجب الفساد فى أمر الدنيا و المعاد.
و أما القسم الرابع: فهو شر الأقسام كما قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزى قال: أنت عند الطاعة قدرى، و أنت عند المعصية جبرى. أى مذهب وافق هواك تمذهبت به فهؤلاء شر أتباع الشيطان، و ليس هو مذهبا لطائفة معروفة و لكن هو حال عامة المحلولين عن الأمر و النهى، إن فعل طاعة أخذ يضيفها إلى نفسه و يعجب حتى يحبط عمله، و إن عمل معصية أخذ يعتذر بالقدر و يحتج بالقضاء، و تلك حجة داحضة، و عذر غير مقبول.
و تراه إذا أصابته مصيبة بفعل العباد أو غيرهم لا يستسلم للقدر و تراه إذا ظلم نفسه أو غيره احتج بالقدر ... و إن ظلمه غيره ظلما دون ذلك أو توهم أنه ظلمه أحد، سعى فى الانتقام من ذلك بأضعاف ذلك و لا يعذر غيره بمثل ما عذر به نفسه من القدر و هما سواء»[٢]. اه.
و أختم الكلام عن القدرية و الجبرية بما ذكره شارح الطحاوية حيث يقول: فكل دليل صحيح يقيمه الجبرى، فإنما يدل على أن اللّه خالق كل شيء، و أنه على كل شيء قدير، و أن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، و أنه ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن، و لا يدل على أن العبد ليس بفاعل فى الحقيقة و لا مريد و لا مختار، و أن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش و هبوب الرياح و حركات الأشجار. و كل دليل صحيح يقيمه القدرى فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، و أنه مريد له مختار له حقيقة و أن إضافته و نسبته إليه حق و لا يدل على أنه غير مقدور للّه تعالى و أنه واقع بغير مشيئته و قدرته، فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى فإنما يدل على ما دل عليه القرآن من عموم قدرة اللّه و مشيئته لجميع ما فى الكون من الأعيان و الأفعال و أن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة و أنهم يستوجبون عليها المدح و الذم»[٣].
[١] - سورة الأنعام/ ١٤٨، ١٤٩.
[٢] - مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٨/ ٤٤٤.
[٣] - شرح العقيدة الطحاوية ص: ٤٩٤.