المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ١٨٥ - التعليق
قال ابن القيم: سبب اختلاف العلماء فى معنى الفطرة فى هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر و المعصية ليس بقضاء اللّه بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام و لا حاجة لذلك. لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، و لا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله: «فأبواه يهودانه» إلخ. محمول على أن ذلك يقع بتقدير اللّه تعالى و من ثم احتج عليهم مالك[١] بقوله فى آخر الحديث: اللّه أعلم بما كانوا عاملين[٢].
و قال ابن حجر: ... فقال مالك: احتج عليهم بآخره «اللّه أعلم بما كانوا عاملين».
و وجه ذلك أن أهل القدر استدلوا على أن اللّه فطر العباد على الإسلام و أنه لا يضل أحدا و إنما يضل الكافر أبواه. فأشار مالك إلى الرد عليهم بقوله: «اللّه أعلم» فهو دال على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفطرة، فهو دليل على تقدم العلم الّذي ينكره غلاتهم، و من ثم قال الشافعى:
أهل القدر إن أثبتوا العلم خصموا[٣].
[١] - أخرجه أبو داود عن عبد اللّه بن وهب قال: سمعت مالكا قيل له: إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث قال مالك: احتج عليهم بآخره، قالوا أ رأيت من يموت و هو صغير قال« اللّه أعلم بما كانوا عاملين». سنن أبى داود: ٥/ ٨٩.
قلت: يشير بذلك إلى رواية همام و غيره عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها». قالوا: يا رسول اللّه أ فرأيت من يموت و هو صغير؟ قال:« اللّه أعلم بما كانوا عاملين». أخرجه البخارى: ١١/ ٤٩٣، و مسلم: ٤/ ٢٠٤٨.
[٢] - انظر: فتح البارى: ٣/ ٢٥٠.
[٣] - فتح البارى: ٣/ ٢٤٧.