المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ٢١٩ - باب آخر
عيسى بكن و ليس عيسى هو كن، فالكن من قول اللّه و ليس كن مخلوقا، و كذبت النصارى و الجهمية على اللّه تعالى فى أمر عيسى و ذلك أن الجهمية قالوا: روح اللّه و كلمته إلا أن كلمته مخلوقة و قالت النصارى: عيسى روح اللّه من ذات اللّه و كلمة اللّه من ذات اللّه كما يقال إن هذه الخرقة من هذا الثوب قلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان (ق ١٩/ أ) و ليس هو الكلمة و إنما الكلمة قول اللّه قوله: وَ رُوحٌ مِنْهُ يقول: من أمره كان الروح فيه كقوله: وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ[١] يقول: من أمره و تفسير روح اللّه إنما معناها روح بكلمة اللّه خلقها اللّه كما يقال: عبد اللّه و سماء اللّه و أرض اللّه[٢].
ثم إن الجهمى ادعى أمرا آخر قال: إن اللّه يقول: خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ[٣] فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون فى السماء أو فى الأرض أو فيما بينهما فشبه على الناس و لبس عليهم.
فقلنا لهم: أ ليس إنما أوقع اللّه عز و جل الخلق على المخلوق ما فى السموات و ما فى الأرض و ما بينهما فقالوا: نعم. قلنا: فهل فوق السموات شيء مخلوق قالوا: نعم. قلنا: فإنه لم يجعل ما فوق[٤] السموات من الأشياء المخلوقة و قد عرف أهل العلم أن فوق السموات السبع الكرسى و العرش و اللوح المحفوظ و الحجب و أشياء كثيرة و لم يسمها و لم يجعلها من الأشياء المخلوقة، و إنما وقع الخبر من اللّه عز و جل على السموات و الأرض و ما بينهما. فقلنا: فيما الدعوى أن
[١] - سورة الجاثية/ ١٣.
[٢] - فى قول اللّه تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ دلالة عظيمة على أن القرآن كلام اللّه عز و جل و غير مخلوق فكن غير مخلوقه و الكائن بها مخلوق انظر: رد الدارمى على بشر المريسى ص: ١٤٨. يقول أبو الحسن الأشعرى رحمه اللّه تعالى:« فلو كان القرآن مخلوقا لوجب أن يكون مقولا له كن فيكون، و لو كان اللّه عز و جل قائلا للقول كن كان للقول قولا و هذا يوجب أحد أمرين: إما أن يؤول إلى أن قول اللّه غير مخلوق، أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية و ذلك محال، و إذا استحال ذلك صح و ثبت أن للّه عز و جل قولا غير مخلوق.
الإبانة له ص: ١٩- ٢٠ و نحوه ذكره البيهقى فى الاعتقاد ص: ٥٦- ٥٧.
[٣] - سورة السجدة/ ٤.
[٤] - فى الأصل:« لم يجعل ما فى السموات» و ما أثبته كما فى المطبوع و هو الصواب.