المسائل و الرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة - أحمد بن حنبل - الصفحة ١٥٩ - التعليق
يقول النووى: و قد حكى أبو محمد بن قتيبة فى كتابه غريب الحديث و أبو المعالى إمام الحرمين فى كتابه: الإرشاد فى أصول الدين أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم إثبات القدر. قال ابن قتيبة و الإمام هذا تمويه من هؤلاء الجهلة و مباهتة و تواقح فإن أهل الحق يضيفون القدر و الأفعال إلى اللّه سبحانه و تعالى و هؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم و مدعى الشيء لنفسه و مضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره و ينفيه عن نفسه»[١]. اه.
و بعد هذا أعود إلى ما أنا بصدد الكلام عنهم و هم الجبرية أتباع زعيم المعطلة الجهم بن صفوان الترمذي و مذهبهم فى القدر على النقيض من مذهب القدرية السابق، و ملخصه: أن العبد مجبور على ما يصدر منه من أفعال مسلوب الإرادة و الاختيار تماما. و صدور الفعل منه و نسبته إليه مجاز و اللّه هو الفاعل حقيقة[٢].
و لو رجعنا إلى آيات القرآن الكريم لوجدناها تنقض هذا الزعم و تقتلعه من أساسه فاللّه سبحانه و تعالى أثبت المشيئة و الإرادة للعبد فى غير آية قال تعالى وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها[٣]، و قال عز و جل مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[٤]، و اللّه سبحانه و تعالى أضاف العمل إلى العبد فى غير آية قال جل شأنه كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[٥]، و قال تبارك و تعالى وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[٦]، و قال جل شأنه وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ[٧].
[١] - مسلم بشرح النووى: ١/ ١٥٤.
[٢] - قال شارح الطحاوية:« و قد تسمى الجبرية قدرية لأنهم غلوا فى إثبات القدر». شرح العقيدة الطحاوية ص: ٥٩٢.
و فى موضع آخر قال:« و سموا قدرية لإنكارهم القدر، و كذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضا، و التسمية على الطائفة الأولى أغلب».
المصدر السابق ص: ١١٥، و انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٨/ ١٠٥.
[٣] - سورة الكهف/ ٢٩.
[٤] - سورة فصلت/ ٤٦.
[٥] - سورة المدثر/ ٣٨.
[٦] - سورة الحج/ ٧٧.
[٧] - سورة البقرة/ ١٩٧.